فهرس الكتاب

الصفحة 2182 من 9994

ماذا قالوا له؟ قالوا: {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [ طه: 72 ] ، افعل ما بدا لك ، فلا خوف في قلوبنا منك ، ولا شيء يردنا عن ما أخذنا به من الإيمان والاعتقاد ، لماذا ؟ لأن الأمر قد اختلف ، والتصور قد اتسع ، واليقين قد عظم ، والإيمان قد رسخ ، فنحن لم تعد حياتنا هي الدنيا ، بل أصبحت أعظم من ذلك .. افعل ما تشاء ؛ فإن ما تفعله لا يتجاوز هذه الدنيا وما فيها من الأسباب التي قد يكون بعضها ميسراً لك ، {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [ طه: 72 ] ، ثم ماذا؟ قالوا: {إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ} [ الشعراء:51] .

كانوا يريدون المال ، واليوم يقولون: نحن يكفينا وأملنا وطموحنا وأعظم ما تتعلق به قلوبنا ، وتشرئب إليه أعناقنا أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول السابقين إلى الإيمان والإسلام .. لقد اختلفت مقالتهم ، واختلفت مشاعرهم ، واختلفت مواقفهم ، وظهرت قوتهم وتجلى ثباتهم ما الذي تغير؟ ما الذي طرأ؟ ما الذي جد؟.

ليس إلا الإيمان حينئذ نقول الفرق ما بين هذا وهذا في لحظات هو الإيمان الذي أنشأهم نشأة جديدة ، وصبغهم صبغة جديدة ، حولتهم في كل جانب من جوانب حياتهم ظاهرها وباطنها ، فإذا بهم حينئذ ينشؤون ويقفون ويتكلمون ويشعرون ويواجهون بغير ما كانوا عليه من قبل ، هذه صورة موجزة لحقيقة الإيمان .

وأجلى منها وأوضح وأكثر أمثلة ما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاء إلى العرب وهم في جاهلية جهلاء ، وعماية ظلماء ، وفي كل ما هو معروف من سخف عقولهم ، ومن همجيتهم وحميتهم في الباطل وغير ذلك .

ولم يغير فيهم شيئا من اقتصاد ولا سياسة ، ولا اجتماع ، إنما جاءهم بهذا الإيمان والإسلام فأنشأهم نشأة أخرى ، وصاغ منهم أمة فريدة لا نظير لها في تاريخ البشرية والإنسانية .. هذه إطلالة وخلاصة سريعة وليس هذا موضوعنا.

ننتقل إلى جوهر مهم في موضوعنا وهو:

أثر الإيمان في الأمان

ونحن نعلم أن الظروف العصيبة تصيب الناس في مكامن ومقاتل مختلفة ، لكن أعظمها وأشدها خطراً أن تصيب يقينهم وإيمانهم فتسلب أمنهم وأمانهم ، لننظر أثر الإيمان القوي الصحيح الراسخ في الإيمان ، ونذكر في ذلك نقاطاً أربع:

الأثر الأول: صحة النهج وصواب الفكر

الإيمان يورث رشد العقل ونور البصيرة يصبح المؤمن على بينة من أمره .. يعرف الحق من الباطل ويعرف الحق معرفة جلية واضحة .. لا يلتبس فيها معه غيره من الباطل ويثبت على ذلك ؛ لأنه يرجع إلى أصل وركن ركين وأساس متين مرتبط بما لا يتغير ولا يتبدل من كتاب الله - عز وجل - وسنة رسله - صلى الله عليه وسلم - وهذا يسمونه اليوم بـ [ الأمن الثقافي والفكري ] لا تتبدل أفكارنا ولا تتغير تصوراتنا ، حتى وإن عظم القائلون بما يخالفنا ، وإن أكثروا منه ، وإن نوعّوا أساليب عرضه ، وإن تفننوا بالإغراء به ، وإن شددوا أو أرهبوا في ضرورة التزامه ؛ فإن ذلك عند أهل الإيمان لا يغيرهم مطلقاً ، لا يمكن يوما من الأيام أن يغير شيئا مما هو ثابت قاطع في حقائق الإيمان من آيات القرآن وهدي المصطفى العدنان - صلى الله عليه وسلم - ولعلي أشير إلى معنى تتجلى به هذه الحقيقة في آية من كتاب الله عز وجل: { قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ } [ الأنعام:57 ] .

تأملوا أيها الأخوة الأحبة في هذه الآية: {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي } [الأنعام: من الآية57] .

وضوح وبيان ومنهج سديد .. ليس من أفكار عقولنا ، ولا من اجتهاد علمائنا ، ولا من مجامع فقهائنا ..كلا ! بل هو من الله - عز وجل - معصوم .. كامل لا نقص فيه .. صحيح لا باطل معه .. ثابت لا شك يعتريه مطلقا .. {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ } [ الأنعام: من الآية57 ] .

إن كذبت الدنيا كلها وخالفت ، فلا يعني أن نعود لنراجع أو نبحث لنصحح ، أو نجتمع لنرى هل هذا ما زال عاملاً ، وما زال فاعلاً ، وما زال صحيحاً ؟ أم أنه - كما يقولون - نحتاج إلى إعادة النظر في مناهجنا وإعادة النظر في ثوابتنا وغير ذلك .. {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِه} [ الأنعام: من الآية57 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت