فهرس الكتاب

الصفحة 2183 من 9994

قد يقول القائلون - وهذا يقال الآن -: هؤلاء المسلمون .. هؤلاء المؤمنون ما بالهم لا ينصرون؟ هؤلاء الكافرون .. هؤلاء المعتدون ما بالهم يسيطرون ويهيمنون ، ويمد لهم في أسباب العدوان أو في أسباب القوة والهيمنة والسيطرة ؟ كأن بعض الناس ربما يخالط عقله ويخامر نفسه شيء من الاضطراب والحيرة والشك أو التبديل والتغيير ، والله - عز وجل - يقول على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام: {مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} [الأنعام: من الآية 57] .

إن كانت عندكم أفكار وأشياء قد اضطركم إليها أو قذف بها إليكم واقع معين ؛ فإن الثوابت هي التي تحكم عليه ، وهي التي تضبطه وقد جاء خباب بن الأرت -كما نعلم - وقال لرسول الله عليه الصلاة والسلام:"ألا تدعوا لنا ألا تستنصر لنا؟"وقد بلغ الأمر مبلغه في البلاء والإيذاء الذي حل به وبعض الصحابة - رضوان الله عليهم - فأخبرهم النبي - عليه الصلاة والسلام - بمن كان قبلهم ممن تعرضوا إلى العذاب الشديد .

ثم قال- عليه الصلاة والسلام -: ( والله ليبلغن هذا الدين حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم قوم تستعجلون ) .

لم يجبهم إلى عواطفهم ..لم يوافقهم على ضرورتهم وإن كان يدعو - عليه الصلاة والسلام - لكن المنهج واضح .. لكن الرؤية جلية ليس فيها غبش .. ليس في أجزائها شيء من التراب مطلقاً ، ولذلك الأمر الفكري نحن لن نؤمن أبداً لا اليوم ولا غداً ولا بعد غد بالديموقراطية الغربية التي يبشرون بها .. لن نغير أبدا في أسس بناء حياتنا الاجتماعية القائمة على كتاب الله وسنة رسوله ؛ لنوافق - كما يقولونه - من أفكار في تحرير الشعوب ، أو حقوق الإنسان ، أو حرية المرأة على مناهجهم المختلة ، وعلى تصوراتهم الفاسدة ، وعلى مناهجهم الزائغة ؛ لأننا لسنا في شك من ديننا ، بل نحن على بصيرة ، وهذا أمر مهم ؛ فإن الأمن الفكري والثقافي هو صمّام الأمان الأول ، وهو خط الدفاع الأول إذا وقع فيه الاضطراب ما جاء بعده .

كما نرى - نسأل الله عز وجل السلامة - ممن يتقاذفون هذه المقالات ، ويروجون هذه الشائعات ، ويزينون هذه المفتريات والمبتدعات ؛ لأنهم ليسوا على بينة من أمرهم كما قال الله عز وجل هنا: {مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} [ الأنعام: من الآية57 ] ، وكما قلت ليس حديثنا مستفيض في كل نقطة وإنما هي ومضات .

الأثر الثاني: سكينة النفس وطمأنينة القلب

فإن الذي تتضح رؤيته الفكرية ، ويعرف الإجابة عن الأسئلة العظمى - كما يقولون - من أين وإلى أين ولماذا ؟ نحن نعرف لماذا خلقنا ؟ وما هو دورنا في هذه الحياة ؟ وما يكون بعد هذه الحياة ، نعرف كذلك أن الكون كله مسير بأمر الله ، وأنه لا ينفذ فيه شيء إلا بقضاء الله ، وأنه لا يغير ولا يدبر شيء في هذا الكون إلا الله ، فنفوسنا حينئذ مطمئنة ، وسكينتنا مستقرة ، وقلوبنا ليس فيها حيرة ولا شك ولا خوف ولا هلع ، ونحن نعلم أن تقلبات الظروف والبلايا والرزايا والمحن والفتن تحيط بالناس ؛ فإن لم يكن عندهم يقين راسخ ، وإيمان ثابت ؛ فإن ذلك يصيبهم بجزع يجعلهم ينكصون على أعقابهم.. { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ } [ الحج: من الآية11 ] .

وقد وصف الله - عز وجل - ذلك بأنه الخسران المبين ، ولذلك نبقى على هذه الطمأنينة والسكينة ؛ لأنها هي التي تفيض هذه المعاني النفسية الباطنية القلبية في الإنسان المؤمن . يقول الحق جل وعلا: { الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } [ الرعد: من الآية28 ] .

والله - سبحانه وتعالى - بيّن أن القين والإيمان هو الذي يجعل الإنسان ثابتاً في وجه المشكلات .. كم من الناس تحل به نكبات أو مشكلات فينزلها على إيمانه يقول:"لا حول ولا قوة إلا بالله"، يردد:"إنا لله وإنا إليه راجعون"، يلهج:"حسبنا الله ونعم الوكيل"فإذا به يعر بالطمأنينة والسكينة ، وتتبدد أمامه تلك المخاطر ، ويتيسر أمامه العسير ، ويصغر العظيم بما يفيض في قلبه - سبحانه وتعالى - من السكينة والطمأنينة ، وغيره مرتجف .. مضطرب .. متحير .. متشكك .. خائف .. جزع .. متراجع .. متخاذل ؛ لأنه يفتقد قوة إيمانه ويقينه ، ولو أردنا أن نفيض في الأمثلة لوجدنا عجباً في سيرة النبي - عليه الصلاة والسلام - .. في سيرة أصحابه - رضوان الله عليهم - وهذا أمره مهم ، وخاصة في وقتنا وظروفنا هذه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت