في غزوة الأحزاب بين الله - عز وجل - الكرب العظيم ، والخطب الجسيم ، والهول الفظيع الذي حلّ برسول الله - عليه الصلاة والسلام - وصحابته فقال جل وعلا: { إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً } [ الأحزاب: 10 , 11 ] .
ماذا قال أهل الإيمان في هذه الحادثة العصيبة والمحنة الرهيبة ؟ .
{ وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً } [ الأحزاب:22 ] .
{ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا } [ الأحزاب:23] .
والمواقف كثيرة فيما بعد أحد كما أخبر الله عز وجل: { الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ } [ آل عمران: 173 , 174 ] ، إنما يطمئن القلوب ويسكن النفوس هذا الإيمان ، فلا تضطرب ولا تجزع بإذن الله .
الأثر الثالث: يقظة الضمير واستشعار المراقبة
إن الأمن الذي يفرض بقوة العساكر ، أو دقة المراقبة ، أو دوام المتابعة أمن هش ضعيف مهما بلغت أسبابه ؛ لأنه لا يمكن أن يراقب كل أحد ، ولا أن يتابع كل شخص ، ولا أن يعرف ما في خفايا القلوب وفي طوايا النفوس ، لكن الأمن الحقيقي هو الذي ينبع من داخل النفس هو الذي فيه الإيمان ، يردع صاحبه عن المحرمات والمنكرات والعدوان على الحرمات ، ويدفعه إلى القيام بالواجبات وأداء المهمات والمسارعة إلى الخيرات .
هذا الإيمان هو مملكة الضمير الحية ، التي عندما غرسها النبي صلى الله عليه وسلم في أمته وأصحابه لم يكن في ذلك المجتمع من المفاسد والمنكرات والجرائم إلا ما يعد على أصابع اليد أو اليدين دون أن يكون في زمانه عليه الصلاة والسلام ولا في زمان من بعده عليه الصلاة والسلام لم تكن هناك بطاقات ممغنطة ، ولا كاميرات تصور ، ولا شرطة تجوب الشوارع والطرقات ، ولا شيء من ذلك ، ومع ذلك ما هي الجرائم التي وقعت ؟ وما هي الاعتداءات التي تحققت ؟ ثم ماذا وقع ما الذي وقع ؟ وكيف اكتشف عندما وقعت بعض هذه المحرمات والفواحش ؟ هل اكتشفتها المتابعات الأمنية ؟ أو توصلت إليها الأدلة الجنائية ؟ أم أن الذي أخرجها إلى حيّز الوجود الحس الإيماني ، واليقظة الشعورية ، والمراقبة لله - عز وجل - والخوف منه - سبحانه وتعالى - إذا أحيينا الإيمان في القلوب فقد نشرنا الأمان في المجتمعات .
ماعز الأسلمي ..قصته في الصحيح ، في لحظة غفلة هوى ، واستزلال شيطان ن وضعف نفس ، وتبرج زينة ، وإغراء شهوة .. وقع في جريمة الزنا ..لم يره أحد ولم تضبطه شرطة ، فأي شيء وقع ؟ تحرك الإيمان في قلبه .. ندم يعتصر نفسه .. أسى يقطع قلبه ألماً ، فيندفع إلى رسول الله - عليه الصلاة والسلام - مقراً معترفاً:"يا رسول الله زنيت فطهرني"، فيعرض عنه الرسول - عليه الصلاة والسلام - لعله أن ينصرف ، فيأتيه قِبَل وجهه ويكرر ، فينصرف عنه النبي ثانية وثالثة أربع مرات ، لعل به شيئاً يعني لعله شارب للخمر لا يدرك ما يقول فاستنهكوه ، قالوا يا رسول الله:"ما به بأس"قال: ( لعلك قبّلت ! لعلك فاخذت ! ) حتى أقر فأمر النبي - عليه الصلاة والسلام - برجمه فرجم .
هل يسجل التاريخ مثل هذا في غير وجود الإيمان ؟ وهل يمكن أن يظهر مثل هذا في غير أثر الإيمان ؟ .