وأبلغ من هذا وأظهر قصة المرأة الغامدية .. جاءت إلى النبي - عليه الصلاة والسلام - تقر بما أقر به ماعز ، وحديثها في الصحيح كذلك ، فأعرض عنها رسول الله - عليه الصلاة والسلام - ، فقالت:"يا رسول الله لعلك تعرض عني !كما أعرضت عن ماعز ؛ فإني حبلى من الزنى"، المرأة وضعها مختلف ، فقال - عليه الصلاة والسلام - يقر حقوق الإنسان الصحيحة ، والرأفة والرحمة الكاملة على وجهها العظيم في سيرته وشمائله عليه الصلاة والسلام: ( اذهبي حتى تضعي حملك ) ، وذهبت دون كفالة حضورية ، ودون بصمات ، ودون صور ، ودون متابعة ، ورجعت بعد تسعة أشهر كاملة ، ما الذي أعادها ؟ كان بإمكانها ألا ترجع .. كان بإمكانها أن تهرب .. رجعت ومعها غلامها رضيع صغير وليد ، فقال لها عليه الصلاة والسلام: ( اذهبي حتى ترضعيه فتفطميه ) ، وهذه رحمته وإنسانيته - عليه الصلاة والسلام - فذهبت به حولين كاملين عامين ، وقبلهما تسعة أشهر ، وهي مصرة رجعت ثانية ومعها غلامها في يده كسرة خبز - دليل على فطمه - فأمر بها النبي عليه الصلاة والسلام فرجمت ، فجاء بعض دمها على أحد الصحابة فلعنها ، فقال عليه الصلاة والسلام: ( لا تلعنها فإنها تابت توبة لو قسمت على سبعين منكم لوسعتهم) ، هذا هو الإيمان .
نحن نقول: عمقوا الإيمان في النفوس يشيع الأمن في المجتمع ، وتشيع الرحمة ، وينتشر الخير ، ويعمّ السلام الحقيقي ، لا المفروض بقوة الأسلحة ولا بكثرة الشرط ولا بغير ذلك.
الأثر الرابع: حرية الإرادة وقوة المواجهة
ما الذي يضعف الناس خوفهم ؟ ما الذي يجعلهم يغيرون مواقفهم ، ويبدلون آراءهم ، ويغيرون مواقعهم فيكونون مع هذا فيصيرون مع ذاك ، وربما يخونون أمتهم ويبيعون أهلهم ، ويضحون ببلادهم ؟ أي شيء ذلك ؟ إنه لأمرين اثنين يؤثران في حياة الناس: خوف على الحياة، وخوف على الرزق.
خوف على الحياة: إذا هدد بحياته غيّر موقفه وغيّر منهجه وغيّر متابعته وولاءه وبراءه ، ما الذي يعصم من ذلك ؟ ما الذي يؤمن الأمة من أن تخترق من داخل صفوفها ومن أن يكون من بين أبنائها من هو عدو لها وممالئ لعدوها؟ إنه الإيمان .. لماذا؟ لأن الأيمان هو حرية عظيمة أتدركون لماذا؟ لأنه يوّحد الإنسان وقلبه واعتقاده ، وكل شيء في داخله في أمر واحد معلق بالله سبحانه وتعالى .. إنه لا يخشى إلا الله ، ولا يرجو إلا الله ، ولا يذلّ إلا لله ، ولا يسأل إلا الله ، ولا يستعين إلا بالله ، كل أمره معلق بالله ، والناس وقوى الدنيا كلها لا يلتفت إليها ، ولا يكترث بها ، ولا تنال من عزمه ويقينه وتصميمه وإيمانه مطلقاً، وغيره على عكس ذلك ، من لم يخف من الله خاف كل أحد سواه ، ومن لم يذل لله ذل لكل أحد سواه ، ومن لم يستعن بالله استعان وطلب معونة كل أحد سواه، ونرى ذلك واضحاً جلياً في واقع حياتنا ، ولعلنا عندما نستحضر الأمثلة في ذلك ندرك حقيقة الأمر .
إن حقيقة الإيمان ترسخ أنه لا أحد ينفع ولا يضر ولا يقدم ولا يؤخر إلا الله .. قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لغلام صغير لم يطر شاربه بعد ، وهو ابن عباس غلام صغير كان مرافقاً ورديفاً للنبي- تعلمون وصية النبي له - ومنها: ( واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف ) .
من يستطيع أن يؤثر على من هذا إيمانه ويقينه .. من يستطيع أن يؤثر على من يؤمن ويوقن بقول الله - عز وجل -: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: من الآية34] .
أنس بن النضر - رضي الله عنه -لم يشهد بدراً فقال:"والله لأن أشهدني الله يوماً كيوم بدر ليرين الله ما أصنع !". وهذا قول ممكن أن أقوله أنا وأنت ، لكن لا صدق للقول إلا عند الفعل .. جاءت أُحد وشارك فيها أنس بن النضر ، ووقع ما وقع من التفاف ابن الوليد -رضي الله عنه - واضطراب المسلمين ، ووقوع القتل فيهم وإذا بأنس حينئذ يقول:"واها لريح الجنة والله إني لأجد ريحها دون أحد"كأنما يشم رائحتها .. كأنما قضايا الإيمان تجلت ..كأنما هي حقيقة منظورة ملموسة ، وليست مجرد غيب غير معروف ولا ملموس .."والله إني لأجد ريحها دون أحد"، ثم انطلق يعانق الموت ويلتمسه ، ويخترق صفوف الكفار والمشركين ، ويقاتل وتخترطه السيوف ، وتتناوله السهام ، في صحيح البخاري:لم يعرف أو لم يعرفه أحد إلا أخته بشامة أو بنانة له ، قال: وفي جسده بضعة وثمانون ما بين ضربة وطعنة ليس فيها واحدة في ظهره .
هل كان هذا يخشى الموت ؟ هل مثل هذا يمكن أن يساوم على حياته ؟