فهرس الكتاب

الصفحة 2186 من 9994

ولعلنا نتذكر الموقف العظيم الذي يجمع بين هذا وذاك في قصة عبد الله بن حذافة السهمي - رضي الله عنه - الذي كان مأسورا عند الروم فسأله ملكهم: أترجع عن دينك وأعطيك شطر ملكي ؟ قال: لا ، قال: وأعطيك كل ملكي ؟ قال: لا قال: ولو أعطيتني الدنيا وما فيها ، فأراد أن يأتيه بجانب آخر ، جاءوا بقدر كبير وزيت أشعلوا ناراً فصار الزيت مغلياً ، وأتوا ببعض أسرى المسلمين يغمسونهم في هذا الزيت ، يدخل أحدهم لحماً ويخرج عظماً ، وعبد الله ينظر وبعد واحد واثنين وثلاثة دمعت عينه - رضي الله عنه - فأخبر الملك ، فقال: علي به ، ظن أنه قد لان وهان وذل وتابع وغيّر وبدل ، فلما جاءه وجده على ما هو عليه ، قال: فما بكاؤك ؟! قال: لقد علمت أن لي نفسا واحدة تغمس في هذا القدر فتزهق في سبيل الله ، ووددت لو أن لي بعدد شعر رأسي أنفسا تزهق كلها في سبيل الله .

كان يفكر في ميدان آخر ..كانت مشاعره غير ما يفكر به ألئك الدنيويون الخائفون الجبناء الأذلاء .

ولذلك يقول علي رضي الله عنه:

أي يومي من الموت أفر يوم لا يقدر أو يوم قدر

يوم لا يقدر لا أرهبه ومن المقدور لا ينجوا الحذر

ونعرف في هذا أمثلة كثيرة ، لعلي أختم بمثال حبيب بن زيد - رضي الله عنه - يوم بعثه الرسول إلى مسيلمة الكذاب ، فكان يقول له:"أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله"، فيعيد عليه مسيلمة يريد أن يقول:"وأن مسيلمة رسول الله"، فيقول: لا أسمع .. لا أسمع ، فيكرر عليه ، فيقول: لا أسمع ، فيبدأ بقطع أعضائه .. يقطع أذنه ، ثم يقطع أنفه ، فقطع أوصاله حتى سمت روحه إلى بارئها .. لن يغير موقفه ، ولن يبدل ، ولم يكن ذلك الذي يمكن أن يساوم على دينه ، ولذلك قوة الإيمان حرية لا يستطيع أحد أن يملك بها شيئا تغير به معتقدك.

قد تملك سوطا يكويني وتحز القلب بسكيني

لكن سلطانك لن يرقى لذرى إيماني ويقيني

وهكذا كان الصحابة رضوان الله عليهم.

وكذلك التحرر من الخوف على الرزق:

{إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذريات:58] .

{وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} [الذريات:22] .

{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: من الآية6] .

أفإذا أعطينا غيرنا أو منعنا بدلنا ؟ أفلا نرى المواقف اليوم وهي تباع وتشترى بالدرهم والدينار ، أو بالجنيه والدولار ؟ أفلا نرى ذلك الضعف والاختراق الأمني الخطير في صفوف الأمة الإسلامية ؟ منشؤه عدم وجود هذا الإيمان.

كعب بن مالك - رضي الله عنه - من المخلفين الثلاثة .. قوطعوا .. منع الحديث معهم ، قال عن نفسه:"حتى ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت"عندما كان هذا التغير في هذا الفرد علمت الدولة العظمى بذلك ، وكانت تعلم أن الصف متماسك ، ولسان حالها:"لعل هذه لبنة يمكن أن يكون الاختراق منها .. لعل هذا الغاضب الآن على أهله وقبيلته أو عشيرته أو أمته أو أهل ملته .. لعله الآن يكون مهيأ لينتقل إلى صفوفنا ، وليكون من أوليائنا ، ولنجعله سهماً ورمحاً نطعن به في خاصرة أعدائنا"فأرسلوا إليه ، وكعب يقص القصة قال:"فإذا رجل من الأنباط يسأل عني فأشاروا إلي فجاءني فأعطاه رسالة ، ماذا فيها ؟"قد علمنا أن صاحبك قلاك ـ يعني محمد صلى الله عليه وسلم، قلاك: يعني هجرك ـ فالحق بنا نواسك ، ولم يجعلك الله بأرض مضيعة"."

تعال إلينا .. أقبل علينا سوف نعطيك ونعطيك ونجعلك ونقدم لك .. والذي يبيع موقفه يباع كما باع ،والذي يذل لا يلقى شيئا لا من دنياه والعياذ بالله ولا من أخراه وهذه قضية مهمة لعلنا نجعلها في أولى الأولويات في قضية هذه الآثار الإيمانية وللشافعي رحمه الله مقالة جميلة يقول فيها:

أنا إن عشت لست أعدم قوتاً وإذا مت لست أعدم قبرا

همتي همة الملوك ونفسي نفس حر ترى المذلة قهرا

من كان يوقن بذلك لا يبيع نفسه بدرهم ولا دينار،

الفضل بن دكين من علماء الإسلام عندما جاءت فتنة خلق القرآن كان هو ممن يدرسون ويأخذون أجراً من بيت المال ، فلما دعي إلى هذه الفتنة امتنع منها قالوا: إذن نقطع عنك جرايتك ، فأي شيء صنع وفعل ؟ قال:"ما دنياكم التي عليها تحرصون إلا كزر قميصي هذا"ثم خلعه ورمى به في وجوه القوم .. هذه قوة تستعصي على أي انجذاب أو تغيير أو تمييع أو استمالة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت