أيها الناس من كان منكم عليه شيء من قضاء رمضان السابق فيجب عليه قضاؤه قبل مجيء رمضان الآخر ولا يجوز تأخيره عن ذلك إلا لضرورة فاتقوا الله عباد الله وبادروا إلى القضاء وذكروا أهليكم بذلك وأعينوهم عليه كما أمركم الله بذلك حيث قال: ? وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا? (8) فهذا الحكم يعم كل عبادة واجبة وإنما ذكر الصلاة لكونها أشرف العبادات وأجل الواجبات بعد التوحيد.
أيها المؤمنون يجدر بنا التنبيه إلى أنه لم يثبت نص يستند إليه في فضل ليلة النصف من شهر شعبان وغاية ما ورد آثار عن بعض التابعين فلا ينبغي أن تميز هذه الليلة بشيء من العبادات بل اجتهدوا في الخيرات وفق سنة خير البريات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
(1) سورة: الأنعام: آية (125) .
(2) سورة: الرعد:آية (28) .
(3) أخرجه: أحمد ( 17227) ، ( 17245) ، والترمذي ( 3375 ) ، وابن ماجه ( 3793) من طريق عمرو بن قيس الكندي عن عبدالله بن بسر ، صححه: ابن حبان ، والحاكم ، والألباني .
(4) البخاري (6407) .
(5) مسلم (2626) .
(6) سورة الأنعام:آية (122) .
(7) متفق عليه: البخاري ( 16) ، ومسلم ( 43) .
(8) سورة: طه: آية (132) .
عبد الرحمن بن صالح الدهش
عنيزة
علي بن أبي طالب
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-الدنيا طبعها الكدر والعنت. 2- انشراح الصدر من نعم الله وأفضاله. 3- أمور تشرح الصدر وتزيل الكرب.
الخطبة الأولى
أما بعد: فإنَّ الله خلق الإنسانَ، وجعله في هذه الدنيا محلَّ ابتلاء واختبار، يكدح فيها كدحًا حتى يُلاقِيَ ربَّه، ياأَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ [الانشقاق:6] ، يُسَر بها حينًا، ويُساءُ بها أحيانًا.
تنفرج أمامه أبوابُ السَّعادة حتى لا تستطيع أرضٌ أن تقله ولا سماءٌ أن تظلَّه، فهو فرِحٌ مسرورٌ في غبطة وحبور، حتى إذا ما تقلبت عليه أمور وتنادت حوله حوادث الدهور ضاقت عليه الأرض بما رحبت وانغلقت عليه أبوابٌ قد انفرجت ابتلاءً من الله وتمحيصًا.
درسٌ عَمَلِيٌّ مِن الله تعالى يُعَلِّم به عباده أنَّ الدنيا هكذا خلقت، فرَحٌ وسرور، وأحزانٌ وشرورٌ: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِى كَبَدٍ [البلد:4] . فكيف يطمئنُّ العاقل إلى هذه الدنيا؟! أو كيف يستغني بها عن الأخرى؟!
جُبِلت على كدر وأنت تريدها…صفوًا من الأقذاءِ والأكدار
ومكلف الأيام ضدَّ طباعها…متطلب في الماء جذوة نار
ليس الزمان وإن حرَصت مسالمًا…خلُق الزمانِ عداوة الأحرار
ولكن من رحمة الله بعباده ولطفه بأوليائه أنه لم يَكِلْهُم إلى أنفسهم، ولم يجعلهم في هذه الحياة بلا هادٍ يعينهم، فجعل لانشراح الصدر رغم المنغصات أسبابًا، ولانبساط النفس وطيب الحياة أبوابًا، أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مّن رَّبّهِ [الزمر:22] ، فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ [الأنعام:125] .
ولما كان نبينا محمد أعرفَ الخلقِ بربه وأعلَمهم بمراده من خلقه كان أشرحَ الخلق صدرًا، وأطيبهم نفسًا، وأنْعَمَهُم قَلْبًا، امتنَّ الله عليه بِشْرحِ الصدر فقال تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح:1] أي: نوسعه لشرائع الدين والدعوة إلى الله، والاتصاف بمكارم الأخلاقِ، والإقبالِ على الآخرة، وتسهيل الخيراتِ. فمن كان للنبي أتبع كان له من سعة الصدر المقامُ الأرفع.
ألا وإنَّ من أعظم أسبابِ شرح الصدر وبه تطرد الأحزان والهموم وتزال بسببه الوحشة والغموم توحيد الله تعالى، فتعمُرُ ـ يا عبد الله ـ قلبك ثقة بالله، فلا مانع لما أعطاه، ولا معطي لما منعه، ولا رادَ لما قضاه، ولا معقب لحكمه. وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ [يونس:107] .
حينئذ تطيبُ نفسُ العَبْدِ بما قُدِّر له، وتَنْقَشِعُ عن عَيْنَيه غشاوة الهمِّ والحزْنِ، وينشرحُ صدرُ المسلم بمثل هذه الاعتقادات، توحيدٌ وتسليم، وإذعانٌ وتعظيم.
فتوحيد الله ومعرفته وتفويض الأمر إليه هو جنَّة الدُّنيا والنعيم الذي لا يشبهه نعيمٌ، وهو قُرَّةُ عين المحبينَ ولذَّةُ حياةِ المؤمنين. ومن فاته شيء من توحيد الله أو خَلَطَه بشيء مما يغضب الله ضاق صدره واستوحش في قلبه، وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقًا حَرَجًا [الأنعام:125] .
ومن أسبابِ انشراح الصدر ترك المعاصي والهروب إلى الله ومحاسبة النفس، وإنَّ الهمومَ والأحْزَان عقوباتٌ عاجلة ونارٌ دنيوية حاضرة، فكيف يطلب انشراح الصدر من ضيَّع صلاته ومنع زكاته؟! وكيف يَطْلب انشراح الصدر من ظلم مسلمًا في مالٍ أو عرضٍ؟! وكيف يطلبُ انشراحَ الصَّدْرِ مَن أكل الربا وغشَّ المسلمين في بيعٍ أو شراء؟! كيف يطلب انشراح الصدر مَن عقَّ والديه وقطع أقربَ الناسِ إليه؟! بل كيف يطلب انشراح الصدر من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن منكرٍ تعيَّن إنكاره عليه؟! ألا ما أبعد طيبَ العيش عن هؤلاء وأمثالِهم، وما أضيق صدور هؤلاء، وتعسًا لحالهم.
فجاهد نفسك ـ يا عبد الله ـ في طاعة الله، وألزمها تقوى الله، وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا [الطلاق:2] ، فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَى [الليل:5-7] .
ومِن أسباب انشراح الصدر التزود من الطاعات والإقبالُ على ربِّ الأرض والسمواتِ، فالطاعة فرضُها ونفلها زادُك في الآخرة ولذتك في الدنيا، والإكثار منها سببٌ في محبَّة الله. قال الله تعالى في الحديث القدسي: (( وما يزالُ عبدي يتقرَّبُ إلى بالنوافلِ حتى أحبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يَسْمَعُ به، وبصره الذي يُبْصِرُ به، ويدَه التي يَبْطِش بها، ولئن سَألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه ) ).
ومن أعظم الطَّاعَاتِ ذكر الله، ومن أعظم الذكر قراءة القرآن تدبرًا وتأمَّلاً، فقراءة القرآن تورثُ العبدَ طمأنينةً في القلب وانشراحًا في الصدر، الَّذِينَ ءامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28] ، وَنُنَزّلُ مِنَ الْقُرْءانِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء:82] .
ومن ذكر الله الأورادُ الصباحية والمسائية وأذكار النوم والمناسبات، فهي حصن حصين وقوة وانبساطٌ من رب العالمين. وكان النبي يقول عند الكربِ: (( لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم ) ).
ومن أسباب انشراح الصدر نفعُ المؤمنين وإعانة المحتاجين بالمال والبدن، فهو باذل نفسه وماله ووقته لقضاء حوائجهم وتنفيس كرباتهم، وقد قال النبي: (( من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ) ).
فهو إن كان عاملاً لأحد أخلص في عمله، أو كان بائعًا نصح في بيعه، وإن كان معلمًا صار معلمًا مربيًا يحب لأبناء الناس كما يحب لأبنائه، وإن كان موظفًا حرص على إنجاز مهمات مراجعيه وتيسير أمورهم ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. فمن كانت هذه طريقته فهو من أشرح الناس صدرًا، (( والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ) ).