وأمة العرب كانت في جاهليتها لا تعرف الأموال الطائلة، ولا الحياة الفارهة، ولا المدن العامرة؛ إن هي إلا حياة بسيطة فيها خشونة وشدة، ولما قدم ربعي بن عامر- رضي الله عنه- على رستم يفاوضه، وأعجب رستم بكلامه، وانتقده قومه على إعجابه به، وقالوا: أما ترى إلى ثيابه ؟ قال رستم: ويحكم، لا تنظروا إلى الثياب ولكن انظروا إلى الرأي والكلام والسيرة، إن العرب تستخف باللباس والمأكل، وتصون الأحساب، ليسوا مثلكم.
فلما جاء الله تعالى بالإسلام بشر النبي- صلى الله عليه وسلم- أمة العرب باتساع الملك، وكثرة المال، والاستيلاء على ملك ملوك الأرض آنذاك؛ كما روى ثوبان- رضي الله عنه- فقال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: (( إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض ) )رواه مسلم .
قال النووي- رحمه الله تعالى-: وهذا الحديث فيه معجزات ظاهرة وقد وقعت كلها بحمد الله كما أخبر به- صلى الله عليه وسلم- والمراد بالكنزين الذهب والفضة، وهما كنزا كسرى وقيصر ملكي العراق والشام.
ومن نتائج هذا الملك العظيم، والأموال المتكاثرة: حصول الأمن والطمأنينة؛ إذ إن الجوع والخوف قرينان، كما أن الشبع والأمن صنوان، والناس يعدو بعضهم على بعض بسبب المال في الغالب؛ ولذا بشر النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته بالأمن مع المال؛ كما روى عدي بن حاتم -رضي الله عنه- فقال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه رجلان أحدهما يشكو العيلة والآخر يشكو قطع السبيل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أما قطع السبيل فإنه لا يأتي عليك إلا قليل حتى تخرج العير إلى مكة بغير خفير، وأما العيلة فإن الساعة لا تقوم حتى يطوف أحدكم بصدقته لا يجد من يقبلها منه ) )رواه البخاري.
وفي رواية له قال عدي- رضي الله عنه-: (( بينا أنا عند النبي- صلى الله عليه وسلم- إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا قطع السبيل، فقال: يا عدي، هل رأيت الحيرة ؟ قلت:لم أرها وقد أنبئت عنها، قال: فإن طالت بك حياة لترين الظعينة- أي المرأة في الهودج- ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً إلا الله ، قال عدي: قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دُعَّار طييء الذين قد سعروا البلاد - وكانوا قطاع طريق- ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى، قال عدي: قلت: كسرى بن هرمز، قال عليه الصلاة والسلام: كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يُخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه، قال عدي رضي الله عنه: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم ) )رواه البخاري
وقد دلت هذه الأحاديث على أحوال ثلاثة تكون في هذه الأمة:
أولها: كثرة المال فقط، وقد كان ذلك في زمن الصحابة رضي الله عنهم؛ ولذا خاطبهم عليه الصلاة والسلام فقال: يكثر المال فيكم، ثم يفيض المال من كثرته بحيث يحصل استغناء كل أحد عن أخذ مال غيره.
وهي الحال الثانية: وكان ذلك في آخر عصر الصحابة رضي الله عنهم وأول عصر من بعدهم، وتبلغ الكفاية والقناعة في الناس، أن يهتم صاحب الصدقة لعدم وجود من يقبل صدقته؛ وذلك ينطبق على ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز- رحمه الله تعالى-كما روى البيهقي عن عمر بن أسيد رحمه الله تعالى قال: إنما ولي عمر بن عبد العزيز ثلاثين شهرا، ألا والله ما مات حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون في الفقراء ، فما يبرح حتى يرجع بماله يتذكر من يضعه فيه فلا يجده، قد أغنى عمر الناس.
والحالة الثالثة: تقع في آخر الزمان بعد نزول عيسى عليه السلام؛ إذ يفيض المال، ويستغني الناس، فلا يجد المتصدق من يتصدق عليه، فيعرض صدقته على من لا يستحقها، فيأبى أخذها ويقول: لا حاجة لي في مالك.
فهذه المراحل الثلاث وقع منها اثنتان، وبقيت الثالثة تقع في عهد المسيح عليه السلام، ويتخلل هذه المراحل الثلاث طمع يقع في الناس، وجشع يستبد بهم، وشح يملأ قلوبهم ، فلا يشبع غنيهم، ولا يرضى مستورهم، ولا يصبر فقيرهم ، ويطلب الناس المزيد على كفايتهم، ويجتهدون في الكسب والادخار بكل الطرق، حتى من أعطي منهم عطاء جزلا لا يقنع بما أعطي بسبب طمعه، وقد عدَّ النبي- صلى الله عليه وسلم- ستاً من أشراط الساعة وذكر منها: (( استفاضة المال حتى يعطى الرجل مئة دينار فيظل ساخطا ) )رواه البخاري.
واتساع الدنيا للناس، وكثرة المال في أيديهم؛ يصل بهم إلى السرف والتباهي والمفاخرة، وكل ذلك أخبر النبي- صلى الله عليه وسلم- عن وقوعه في أمته؛ فأخبر عن التطاول في البنيان، كما روى البخاري (( أن جبريل عليه السلام سأل النبي- صلى الله عليه وسلم- عن الساعة فقال عليه الصلاة والسلام: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، وسأخبرك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربها، وإذا تطاول رعاة الإبل البهمُ في البنيان ) ).
وفي رواية للإمام أحمد قال- عليه الصلاة والسلام-: (( ورأيتَ أصحاب الشاء تطاولوا بالبنيان، ورأيت الحفاة الجياع العالة كانوا رؤوس الناس فذلك من معالم الساعة وأشراطها، قال: يا رسول الله: ومن أصحاب الشاء والحفاة الجياع العالة ؟ قال: العرب ) ).
قال القرطبي رحمه الله تعالى: المقصود الإخبار عن تبدل الحال بأن يستولي أهل البادية على الأمر، ويتملكوا البلاد بالقهر، فتكثر أموالهم، وتنصرف هممهم إلى تشييد البنيان والتفاخر به، وقد شاهدنا ذلك في هذه الأزمان، والقرطبي يحكي عن زمانه وقد مات في المئة السابعة، فكيف لو رأى كثرة الأموال في هذا العصر، وتفاخر الناس بالبنيان، حتى إن العرب فاقوا في التفاخر به سائر الأمم ؟!
والتطاول في البنيان له صور كثيرة من تشييد الأبراج العالية، وما أكثرها في هذا العصر، إلى التنافس على اتساع الدور والقصور، وتنويع أثاثها ومتاعها، إلى تعدد المساكن والبيوت للواحد من الناس وكثرتها، فبيوت في المدن، وأخرى في القرى، وثالثة في المزارع، ورابعة في مكة، وخامسة في البلاد التي يصطاف فيها، في سلسلة لا تنتهي من التوسع والتطاول في البنيان الذي يكون بين يدي الساعة0
بل إن التطاول في البنيان يتعدى المساكن إلى المساجد، فيتباهى الناس ببنائها وزخرفتها وتزويقها، حتى من يقصر في الصلاة من أثريائهم يفعل ذلك للمباهاة، ولربما بنيت بيوت الله تعالى من أموال محرمة؛ كما يفعله أهل الربا والغش والاحتكار والغناء والتمثيل والرقص، فبعضهم يبتني مساجد من كسبه الخبيث، نسأل الله تعالى العافية والسلامة، وذلك من علامات الساعة ؛ كما روى أنس- رضي الله عنه- أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: (( لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد ) )رواه أبو داود.
وفي رواية للنسائي قال- عليه الصلاة والسلام-: (( من أشراط الساعة أن يتباهى الناس في المساجد ) ).
وقال أنس رضي الله عنه: ( يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلا) .
وقال ابن عباس- رضي الله عنهما-: ( لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى ) .
ولما أمر عمر- رضي الله عنه- بتجديد مسجد النبي- صلى الله عليه وسلم- قال للبناء: (( أكنَّ الناس من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس ) ).