الوقفة الأولى: إن من استثمار هذا الحدث المعُلن فيه العداوة للإسلام والمسلمين أن تتوحد كلمةُ المسلمين وتجتمع قواهم، وإلا أُكلوا يوم أكل الثورُ الأبيض، وإذا كان هذا على مستوى الدول والأفراد والرؤساء والمرؤسين، فهو في جانب العلماء والدعاة أولى وأحرى، إذ أن مواقف العلماء والدعاة الموحدة تساهم بشكل كبير في توحيد صفوف المسلمين، وإذا لم يكن توحيدُ وجهة النظر فما أقل من تقاربها وتضيق هوّة الخلاف بينها ما أمكن فما أصيبت الأمة بداءٍ أضرُّ عليها من التنازع والاختلاف، ذلك الداءُ الذي أهلك الأمم الماضية قبلنا وحذرنا القرآنُ منه ومن الفشل الملازم له: (( وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) ) (الأنفال:46) .
إن من المؤسف أن حدثاً كهذا الحدث تجتمع له الدوائر الغربيةُ، ويخطط الساسةُ له ويسهم في رسم فصوله أهلُ الرأي والفكر الغربيون في حين يبقى المسلمون فرادى في آرائهم متباينين في طروحاتهم، أفلا يستدعي حدثٌ كهذا اجتماعاً ودراسة وتشاوراً، لأمة قال الله بشأنها: (( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) ) (الشورى:38) .
وقال عنهم: (( وَلوْ رَدُّوهُ إِلى الرَّسُولِ وَإِلى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لعَلِمَهُ الذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) ) ( النساء:83) .
الوقفة الثانية: ولابد أن نستشعر جميعاً الخطر المحدق ونقف في خندقٍ واحد الحاكم والمحكوم، متفهمين ظروف المرحلة، مقدرين هدف العدو وحين تتفرق كلمةُ الأمة وأهدافها فذلك نجاحٌ للعدو، فكيف إذا اختلفت وجهاتُ النظر في الدولة الواحدة، لاشك أن ذلك مبدد للطاقة ميسر للعدو تحقيق أهدافه، وفي الأزمة الراهنة نجح الغرب في استخدام الأفغان بعضهم على بعض وجعل من رجالاتهم دروعاً واقية لرجالاته، ثم ذهب بمن شاء منهم إلى (بون) - وقبل أن تضعَ الحربُ أوزارها - حتى يحكمَ بما يريد وقبل أن يتسق الحكمُ لمن لا يريد، وجاءت الحكومةُ الأفغانية الجديدة بإشرافٍ أمريكي، بل قيل إنها حكومةٌ أمريكية وعضَّ أصابع الندم من همشوا وكانوا يتطلعون إلى مكافأتهم في الحكومة المشكلة، ومهما قامت هذه الحكومة المصطنعة بقوة الحماية والضمانة الأمريكية فلن يُقدر لها الاستمرار، ويتوقع أن تشهد الأيام القادمةُ منازعاتٍ وتصفياتٍ للحسابات ومصيبة أن يخسر المسلم دينه، فكيف إذا خسر الدنيا والآخرة ؟
الوقفة الثالثة: لابد أن يعي المسلمون أن الغرب - وفي مقدمته أمريكا وإنجلترا، لا صديق دائم لهم- بل صداقتُهم أو عداوتهم حسب المصلحة وهي متأرجحة حسب التسليم والإذعان للمقررات وحسب الانبطاح للتوصيات، ويشهد التاريخ الماضي والحاضر بتغير العلاقات مع الدول من صداقة إلى عداوة ومن تحالف إلى تخاصم وهكذا، وإذا كانت تلك شهادة الواقع التاريخي فشهادةُ العليم الخبير أوفى، (( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً ) ) (النساء:122) .
وقد حكم أن رضا اليهود والنصارى لا ينتهي دون إتباع ملتهم، (( وَلن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلتَهُمْ ) ) ( البقرة:120) .
فهل يعي أهل القرآن وأهلُ الإسلام هذه الحقيقة، فتُبنى العلاقات على أساس من الوعي التاريخي والوعي الشرعي؟
الوقفة الرابعة: ما سببُ الكره للغرب ؟ في إحدى العناوين البارزة لإحدى الصحف جاء هذا العنوان (صُناع الرأي العالمي يقولون) سياسات أمريكا الخارجية وراء كراهيتها، وتحت العنوان: أظهر استطلاعٌ للرأي أجرته مؤسسةً أمريكية بين صُناع القرار من السياسيين والإعلاميين ورجال الأعمال في خمس قارات أن سياسات أمريكا في العالم مسئولة عن هجمات 11 سبتمبر الماضي، وأعرب معظمُ صُناع القرار في أمريكا وبأكثرية ساحقة عن اعتقادهم بأن أمريكا مكروهةٌ بسبب دعمها لإسرائيل (الشرق الأوسط 6/10/1422هـ) .
ويرى غيرُ الأمريكان أن سياسات أمريكا الظالمة وحيفها على المسلمين بالذات في عدد من البلدان وفي عدد من القضايا الإسلامية أوجد مناخاً واسعاً من الكره لها ولسياستها فهل يستثمر المسلمون هذه الاعترافات ويوسعون دائرة الكره وينفذون إلى الشعب الأمريكي لإبراز هذه الحقيقة وللمطالبة بكفِ عدوانها والحدِّ من سياساتها القمعية الظالمة، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (( يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ) ) (آل عمران:118) .
الخطبة الثانية
الحمد لله القوي العزيز، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون، وأشهد أن محمداً عبدهُ ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
إخوة الإسلام: بين إعلامنا وإعلامهم... تلك وقفة خامسة تستدعي مراجعةً لإعلامنا وأثره في خدمة قضايا الأمة الإسلامية، وتصوير حقيقة الصراع وأهداف ومخططات الأعداء، أو في كونه تبعاً للإعلام الآخر، يعتمد خبَره، ولا تكاد تميز تحليله، عن تحليل غيره، حتى غدا عديم الثقة، يفر المشاهدون والمستمعون والقراءُ إلى غيره بحثاً عن الحقيقة، الأمر الذي أوقع نفراً من المسلمين في إشكالية أخرى حين يثقون بمصادر ومعلومات عدوِّهم، ولا يميزون بين الصحيح والكذب والحق والباطل، فخسرنا إعلامنا وروَّجنا لإعلامهم .
وفي مقابل هذا الضعف والتبعية في الإعلام الإسلامي- إلا ما رحم ربك - فثمة إعلامٌ متفوق ومُضلل يختار الخبر، ويجيد التحليل، ويزور الحقائق، ويستخدم الإعلام وسيلةً من وسائل الحرب النفسية على الإسلام والمسلمين، وهل يُلام الذئبُ في عداونه ؟!
ولمزيد التفوق وفي سبيل تأجيج وتأكيد حرب الحضارات طالعتنا عناوينُ بعض الصحف تقول: الولايات المتحدة تطلق شبكة تلفزيونية لمخاطبة المسلمين، بست وعشرين لغة، ولتخاطب مواطني أربعين دولةً إسلاميةً حول العالم، وخصصوا لهذه الشبكة ميزانيةً تصلُ إلى نصف بليون دولار كبدايةٍ لتشغيلها (المحايد11/10/1422هـ) .
وهكذا يثبت الإعلامُ الغربي - وخاصة الأمريكي- أهمية التوجه إلى الرأي العام الإسلامي، ويؤكد أن الصراع بين الحضارات أمرٌ واقع فهل نستوعب الدرس من هذه الاستعدادات الإعلامية، ووسائل الحرب النفسية، لا بمجرد الأماني والأحلام ولكن بالتخطيط الجاد وإتباع الأقوال بالأفعال ؟