غير أن هنا مسألة يجب التفطن لها والتنبيه عليها وهي أن الإسبال نفسه مظنة المخيلة، وباب من أبوابها فحسم الشارع الحكيم مادتها، وصار ذلك حكماً عاماً حتى لا تترك المسألة للأهواء.
قال ابن حجر: ويتجه المنع أيضا في الإسبال من جهة أخرى وهي كونه مظنة الخيلاء قال ابن العربي: لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبه ويقول: لا أجره خيلاء، لأن النهي قد تناوله لفظا ولا يجوز لمن تناوله اللفظ حكمًا أن يقول: لا أمتثله، لأن تلك العلة ليست فيَّ، فإنها دعوى غير مسلمة، بل إطالته ذيله دالة على تكبره. وحاصله: أن الإسبال يستلزم جر الثوب وجر الثوب يستلزم الخيلاء ولو لم يقصد اللابس الخيلاء.
كما يجب التفطن إلى أنه لا فرق بين الإزار والقميص والسراويل فالإسبال في كل ذلك واحد.
سئل سالم بن عبد الله بن عمر عما جاء في إسبال الإزار أذلك في الإزار خاصة فقال بلى في القميص والإزار والرداء والعمامة.
قال شيخ الإسلام: طول القميص والسراويل وسائر اللباس إذا تعدى ليس له أن يجعل ذلك أسفل من الكعبين كما جاءت بذلك الأحاديث الثابتة عن النبي وقال: الإسبال في السراويل والإزار والقميص، يعنى نهى عن الإسبال.
قال ابن حجر:وقال الطبري: إنما ورد الخبر بلفظ الإزار لأن أكثر الناس في عهده كانوا يلبسون الإزار والأردية، فلما لبس الناس القميص والدراريع كان حكمها حكم الإزار في النهي قال ابن بطال: هذا قياس صحيح لو لم يأت النص بالثوب فإنه يشمل جميع ذلك.
وعن يزيد بن أبي سمية قال: سمعت ابن عمر فيما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإزار فهو في القميص يعني ما تحت الكعبين من القميص في النار كما قال في الإزار.
بل إن كثيراً من العلماء أدخل الأكمام والعمامة وكل ما يلبس في ذلك، ومنع فيه الإسبال.
قال الصنعاني: وكذا تطويل أكمام القميص زيادة على المعتاد كما يفعله بعض أهل الحجاز إسبال محرم، وقد نقل القاضي عياض عن العلماء كراهة كل ما زاد على العادة وعلى المعتاد في اللباس من الطول والسعة. قلت: وينبغي أن يراد في المعتاد ما كان في عصر النبوة.
وبعد؛ فإن تعجب فعجب من رجال ونساء أبوا إلا مخالفة هدي نبيهم وترك سنته ومخالفة أمره صلى الله عليه وسلم، من إسبال الرجال لأثوابهم وقد أُمروا بالتشمير، وتشمير بعض النساء عن سوقهن وقد أمرن بإسبال ذيولهن ذراعاً، أفلا يخاف أولئك الوعيد الشديد والتهديد الأكيد الذي توعد الله تعالى به، وهو أصدق القائلين: فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم، قال الإمام أحمد: (الفتنة الشرك، لعله إن ترك بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك) .
وإليك هذا الأثر من الصدر الأول لهذه الأمة لتقفو أثر القوم وتتبع هديهم في سرعة استجابتهم وامتثالهم وطاعتهم، وعدم تكبرهم ومجادلتهم.
عن جبير بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم أنه كان جالسًا مع ابن عمر إذ مر فتى شاب عليه جُبّة صنعانية يجرها مسبلاً قال: يا فتى هلم، قال له الفتى: ما حاجتك يا أبا عبد الرحمن قال: ويحك أتحب أن ينظر الله إليك يوم القيامة قال: سبحان الله وما يمنعني أن لا أحب ذلك؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ يقول: لا ينظر الله إلى عبد يوم القيامة يجر إزاره خيلاء قال: فلم ير ذلك الشاب بعد ذلك اليوم إلا مشمرا حتى مات.
قال القرطبي رحمه اللَّه: فما بال رجال يرسلون أذيالهم ويطيلون ثيابهم ثم يتكلفون رفعها بأيديهم وهذه حالة الكبر وقائدة العجب وأشد ما في الأمر أنهم يعصون وينجسون ويلحقون أنفسهم بمن لم يجعل الله معه غيره ولا ألحق به سواه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء» ولفظ الصحيح: «من جر إزاره خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» . قال أبو بكر: يا رسول الله إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لست ممن يصنعه خيلاء فعم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهي واستثنى الصديق فأراد الأدنياء إلحاق أنفسهم بالرفعاء وليس ذلك لهم.