فهرس الكتاب

الصفحة 7790 من 9994

قال بعض السلف: بَغَتَ القومُ أمرَ الله , وما أخذ الله قوماً إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم فلا تغتروا بإمهال الله .

معاشِرَ المسلمِين:

إظهار المنكر وفُشُوُّ المعصية وظهورها وعدم القيام بإنكارها سبب للعقوبات المتنوعة والآثار الخطيرة , فحينما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال: ( نعَمْ , إذَا كَثُرَ الخَبَثُ ) .

يقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله: (كان يُقال: إن الله لا يعذب العامَّة بذنب الخاصَّة , ولكن إذا عُمِلَ المنكر جهاراً استحقوا العقوبة كلهم ) . وعند الترمذي وأبي داوود: (( إنَّ النَّاسَ إذَا رأَوُا الظَّالمَ فلمْ يَأخُذُوا عَلَى يديهِ أوشكَ أنْ يَعُمَّهُمُ الله بعقابٍ مِنْهُ ) ). [الترمذي 2168-أبو داوود 4338 وقد روي مرفوعا وموقوفا ورجح البعض الموقوف لكن له حكم الرفع لأنه مما لا يقال بالرأي] .

وفي المسند وسنن الترمذي عن حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( والذِي نفسِي بيدِهِ لتأمُرُنَّ بالمعرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ أوْ لَيُوشِكَنَّ الله أنْ يبعثَ عليكُمْ عقاباً منهُ ثمَّ تدعونَهُ فَلا يُسْتَجَابُ لَكُمْ ) .

إذا أُهمل الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر وطُوِيَ بساطُه حلَّ البلاء بالأمة , وتسلط عليها الأعداء , وأصيبت بالأزمات والكوارث , والاختلاف والتناحر , وأُغرق أفرادها بتناول الشهوات المحرمة بنفوس ضعيفة مادية لا تفكر إلا في الشهوة العابرة واللحظة الحاضرة , إنه لمصابٌ جلل أن ترى الشاب ليس له همٌّ إلا أغنية ماجنة , أو مجلة خليعة , أو مكالمة هاتفية شهوانية , أو فلم خبيث , أو سفر إلى بلاد الفجور والإباحية , أو ... , ألا هل يستطيع هذا الشاب الذي هذه طموحاته وأفكاره أن يجدَّ في تحصيل علم ينفع ؟ هل يستطيع أن يبني أسرة مسلمة تعتزُّ بدينها وكرامتها ؟ هل يستطيع أن يدافع عن نفسه وأمته إذا نزل الخطر ؟ , إن من ضيَّع أمر الله واستهان بمحارمه لا يؤمن شره , ولا يُرتجى خيره , كيف وقد خان أول منعم عليه ولم يَفِ بعهده .

فيَا أمَّة الإسْلام:

اللهَ اللهَ في إصلاح أنفسكم وأهليكم , مُرُوا بالمعروف وانهوا عن المنكر , وعلموا الجاهل ونبِّهوا الغافل برفق وعدل , وحكمة وعلم , عظموا شعائر الله في نفوسكم ونفوس أبنائكم , فإن المسؤولية عظيمة , {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (6) سورة التحريم .

اللهم أصلح فساد قلوبنا , اللهم أصلح شباب المسلمين , اللهم طهر قلوبهم , وحصن فروجهم , وردهم إلى الهداية والصلاح , أقول هذا القول وأستغفر الله فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية

الحمد لله الحمد كله , وإليه يرجع الأمر كله , بيده الخير ومنه الخير وهو على كل شيء قدير , وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له العلي الكبير , يعلم ما أسرَّ العبد و ما أظهر وهو اللطيف الخبير , وأشهد أنَّ محمَّداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وعى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان .

أمَّا بعدُ: فإن المجاهرة بالمعصية والاستهانة بالذنب إثمٌ كبير , ومزلَقٌ خطير , يترفَّع عنه أصحاب العقول السليمة تعظيماً لله وإجلالاً له , {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ} (30) سورة الحج , وطلباً للعافية يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (كلُّ أمَّتي مُعَافَى إلا المُجَاهِرِينَ ) .

فليحذر المرء من إعلان المعصية والمجاهرة بالخطيئة كترك الصلاة مع الجماعة , وتقليد الكفار باللباس والهيئة , ورفع الأغنية الماجنة , وشرب الدخان في المجامع العامة , وإعلان أيِّ معصية , فإن الله يمهل ولا يهمل , وهو سبحانه يغار وغيرته أن يأتي المؤمن ما حُرِّمَ عليه , يقول صلى الله عليه وسلم: (( يَا أمَّةَ محمَّد: واللهِ مَا مِن أحَدٍ أغْيَرُ مِنَ اللهِ أنْ يزنِي عبدُهُ أوْ تزنِي أمتُه , يا أمَّة محمَّد: واللهِ لو تعلمونَ مَا أعلمُ لضحكتُمْ قَليلاً ولبكيتُمْ كَثيراً ) ). [رواه البخاري] .

ألا فاتقوا الله عباد الله , وجاهدوا أنفسكم على أداء ما افتُرض عليكم , والبعد عن السيئات , ولا تغبطوا أصحاب الشهوات المحرمة فإن لهم يوماً عظيماً تزِلُّ فيه الأقدام , ويعظم الهول والفزع , وما بينهم وبين هذا إلا الموت , وليس منه مهربٌ ولا مفَرّ , فلنَتُبْ إلى الله فإن ربنا رحيمٌ كريمٌ يقبل التوبة , ويعفو عن السيئات إذا ما كانت قبل حضور الممات .

جعلني الله وإياكم من التوابين المهتدين , ووفَّقنا للعلم النافع والعمل الصالح .

الصبر ثوابه وأثره

الصَّبر ـ ثوابه وأثره

الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين ، أثاب العاملين ، ووعد الشاكرين والصابرين ، وأخبر أن الصبر خيرٌ للمكلفين ، فقال سبحانه أصدق القائلين: {وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ } .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له العلي الكبير العليم القدير جرت مشيئته في خلقه بتصاريف الأمور ، وخلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور . وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صاحب القلب الرحيم والصبر الجميل والخُلُق العظيم صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان .

أما بعد:

فيا أيها المسلمون: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } .

أيها الناس:

لقد أيقن العقلاء أن هذه الدنيا ليست بدار بقاء ، وإنما هي دار الابتلاء ، فليس لمخلوق فيها بقاء إذا الأمر كما قال ربنا ـ حلَّ وعلا ـ: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } . نعم إنها كما قال ربنا ـ متاع الغرور ـ إذا أقبلت أدبرت ، وإذا أضحكت أبكت ، وقلما امتلأت دارٌ سروراً إلا امتلأت حزنا.

رأيت حياة المرء رهناً بموته ... وصحته رهنا كذلك بالسَّقَمْ

إذا طاب لي عيشٌ تنغّص طيبهُُ ... بصدق يقيني أن سيذهب كالحلمِ

ومن كان في عيشٍ يراعي زوالَهُ ... فذلك في بؤسٍ وإن كان في نِعَم

همومٌ وأحزان وغموم وأتراح ... مصائبٌ ورزايا ومحنٌ وبلايا

فكم ترى من شاكٍ ، وكم تسمع من لوّام ، هذا يشكوا مرضاً وألما ، وذاك يشكوا حاجة وفقرا ، وهذا مصيبته موت عزيزٍ عليه من ولدٍ أو والد أو زوجة أو صاحب أو أخ محب ، فهذه أيامها يوم لك ويوم عليك ، يومٌ تُعزي فيه ويومٌ تُعَزّى فيه ، دار غرورٍ لمن اغترَّ بها ، وهي عبرةٌ لمن اعتبر بها .

أيها المسلمون: إن خيرَ ما تواجه به أحداثُ الحياة ، ومصائبُ الدنيا وأفضل عُدة ، الصبر على الشدة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت