فهرس الكتاب

الصفحة 7791 من 9994

الصبر الذي هو من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد فهو سترٌ من الكروب وعونٌ على الخطوب . جعله الله جواداً لا يكبو ، وصارماً لا ينبو ، وجنداً لا يُهزم ، وحصناً حصيناً لايهدم ولا يثلم فالنصر مع الصبر ، والفرج مع الكرب ، والعسر مع اليسر ، إنه خلقٌ فاضل من أخلاق النفس يمتنع به المرء من فعل ما لا يَحْسُن فهو استسلام لما يقع على المرء مما يكره ولذلك قالوا: الصبر هو حبس النفس عن الجزع واللسان عن التشكي والجوارح عن لطم الخدود ونحوها .ولقد تكرر الأمرُ بالصبر في كتاب الله في مواضع كثيرة حتى أُثر عن الإمام أحمد رحمه الله أنه قال: ذكر الله الصبر في القرآن في نحو تسعين موضعاً .وما ذاك إلا لمكانته وضرورته ، وحاجة الناس إلى الإستمساك به فنزولُ المصائب والكوارث يحتاج إلى الصبر ، والعللُ والأمراضُ تحتاج من المرء إلى صبر ، والحاجةُ والفقر تحتاج إلى صبر ، والدعوة إلى الله وما ينالُ الداعي من الأذى القولي والفعلي يحتاج إلى صبر واقرأ في كتاب الله {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ} {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً } {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ } .بل إن نفسك التي بين جنبيك تحتاج إلى صبر على مجاهدتها على طاعة الله ، وترك ما حرم الله ، ولذلك أمر الله بالاستعانة بالصبر والصلاة فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِين } فهو سبحانه يعلم ضخامة الجهد الذي تقتضيه الإستقامة على الطريق بين شتى النوازع والدوافع ، والذي يقتضيه القيام على دعوة الله في الأرض بين شتَّى الصراعات والعقبات ، كل هذا لا بُدَّ له من صبر على الطاعات وصبر عن المعاصي ، وصبرٍ على مجاهدة المنافقين والمناوئين ، ولا بُدَّ مع هذا من الصبر على بطئ النصر وبعد الشُّقة والصبر على انتفاش الباطل وقلّة الناصر وطول الطريق الشائك {إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } بتأييده ونصره وتثبيته وإعانته ، فلا تستطيلوا الطريق ، ولا تستعجلوا فربكم أعلم بكم . في صحيح البخاري عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسِّد بردةً في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا ؟ ألا تدعوا لنا ؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه .. والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون ) .

أيها المسلمون:

لقد أثنى الله في كتابه على الصابرين وبيَّن أنهم هم المهتدون قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ } وقال سبحانه: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ } . وأقسم سبحانه أنه يجازي الصابرين بأحسن أعمالهم ويتجاوز عن سيئها قال سبحانه: { ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } وقال عز وجل: { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } .

ولقد جمع الله للصابرين ثلاثة أمور لم يجمعها لغيرهم: وهي الصلاةُ منه عليهم ورحمته لهم وهدايته إياهم قال تعالى: { وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون . أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون } .

أيها المسلمون:

إن الصبر نورٌ لأصحابه قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( والصبر ضياء ) رواه مسلم . فإنه لما كان شاقاً على النفوس يحتاج إلى مجاهدة النفس وحبسها وكَفّها عما تهواه كان ضياءً .

والصبر المحمود أنواع: من صبر على طاعة الله عز وجل ، ومنه صبرٌ عن معصية الله عز وجل ، ومن صبر على أقدار الله عز وجل .والصبر على الطاعات وعن المحرمات أفضل من الصبر على الأقدار المؤلمة كما صرح بذلك السلف .هذا ولقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر عند الصدمة الأولى لأن مفاجآت المصيبة لها روعة تهزُّ القلب فعندما يصبر للصدمة الأولى تنكسر حدتها وتضعف قوتها ويهون بعد ذلك استدامة الصبر واستمراره فلقد مرَّ صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي على صبي لها فقال: ( اتقي الله واصبري ) فقالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه فقيل لها: إنه النبي صلى الله عليه وسلم فأتت بابَ النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين فقالت: لم أعرفك فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى ) متفق عليه .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( يقول الله تعالى: ما لعبدي عندي جزاءٌ إذا قبضتُ صفيه من أهل الدنيا ثم احسبه إلا الجنة ) رواه البخاري . وقوله صفيه: أي حبيبه وصديقه المصافي من ولد أو والد أو زوجة أو صديق أو غيرهم .

وبالصبر على البلاء يَدْخل المؤمنُ الجنة فقد جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع وإني أتكشف فادع الله تعالى لي . قال: إن شئت صبرت ولك الجنة ، وإن شئت دعوت الله تعالى أن يعافيك . فقالت: أصبر ولكني أتكشّف فادع الله أن لا أتكشّف فدعا لها ) متفق عليه . وعن أنس رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن الله عز وجل قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه( أي عينيه ) فصبر عَوّضتُهُ منهما الجنة ) رواه البخاري . وفيه أيضا عنه صلى الله عليه وسلم قال: ( من يرد الله به خيراً يصب منه ) .

وشأن أهل الإيمان أنهم يقابلون البلاء بالصبر والنعمة بالشكر فكل أمرهم خير قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( عجباً لأمر المؤمن إن أمره كُلَّه له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سَرّاءُ شكر فكان خيراً له ، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيراً له ) رواه مسلم . وفي الحديث الصحيح عند الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم قال: صلى الله عليه وسلم فيا من أصيب بفقد عزيز عليه ، ويا من يضيق بدينٍ عليه ، ويا من قد ابتلي بمرض يقلقه أولدٍ يَعُقُه أو منافق يؤذيه: صبرٌ جميل فإن النصر مع الصبر ، وبالصبر يتوقع الفرج ، ومن يُدمن قرع بابٍ يلج ، والصابر ثوابه الجنة .

يا هؤلاء: إن الجزعَ لا يردُّ الغائب ، ولكن يسرُّ الشامت ، ومن قَلَّ صبره عَزَب رأيه واشتدَّ جزعه فصار صريع همومه وفريسة غمومه وقد قال تعالى: { واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور } .

إن الأمور إذا سُدّت مطالبها ... فالصبر يفتق منها كل ما ارتَتَجا

لا تيأسنَّ وإن طالت مِطالبةٌ ... إذا استعنت بصبرٍ أن ترى فرجا

اخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمنِ القرع للأبواب أن يلجا

وتأسوا بذوي الغير ، وتسلوا بأولي العبر ، فهم الأكثرون عدداً الأسرعون مدداً ، فستجدون من سلوة الأسى ، وحسن العزا ، ما يخفف المصاب والبلاء ، فلقد جرى من الابتلاء للرسل والأنبياء والصالحين والأولياء من التكذيب والأذى فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصر الله وفرجه .

أيها المسلمون:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت