فهرس الكتاب

الصفحة 8141 من 9994

أيها المسلمون: إن من أبرزِ عواملِ انحطاطِ الأمةِ وتخلفِها, وضياعِها وشتاتِها, أنها أمةٌ لا تُحسنُ الاستفادةَ من شعائرِ ربها العظيم, أمةٌ تغفلُ بكلِ برود عن الأسرارِ المذهلة, والحكمِ العظيمة, والفوائدِ الكبرى لفرائض الإسلام, وشعائر الإسلام, وقبسا تِ النورِ التي جاء بها الإسلام, إنها أمةٌ تتعاملُ مع شعائرِ دينها، وفرائض شرعها بصورةٍ رتيبةٍ مُملة, ينتابها البرود, ويغشاها الجمود, ويغلفها الذهولُ والشرود, وإلاّ فما معنى أن يتحولَ الحجُّ في أذهانِ الكثيرين, وفي أحاسيسهم وتصوراتِهم, إلى مجردِ ساحةٍ متراميةِ الأطراف, تُسمىَّ المشاعرُ المقدسة, يزدحم فيها أناسٌ كثيرون, يؤدون المناسك بكلِ اندفاعٍ وعجلةٍ, دون أن يستشعروا معنىً لما يصنعون, ولو تأملتَ أحاديث َ الناسِ في مجالسِهم أثناءَ الحجِّ وبعدَه, لوجدتَّها لا تكادُ تخرجُ في الجملةٍ عن أعدادِ الحجيجِ وكثرتِهم, وعن الزحام وكثافتِه, وعن الحرِّ وشدَّته, أما أن يتحدثوا عن الحج وآثارِه, عن الحج ودروسِه, عن الحج وعبره, عن الحج وفوائدِهِ, ومواعظهِ وكنوزه, فذلك عزيز المنال, وقد نُسيَ ذكرُهُ, وأُهملَ شأنُه ولعمركَ إنَّ ذلك لهو الحرمانُ المبين.

أيها المسلمون: هذه بضاعةٌ مزجاةٍ, وجَهد المقل, نتذاكرُ من خلالِها شيئاً من دروسِ الحجِ وآثارِه, والتي من دونها يصبحُ الحجُ عديمُ الفائدةِِ، مبدداً للجهد, مبعثراً للوقتِ والمال, و واللهِ إن هذه الدروس لهي المقياسُ الحقيقي الذي يُحكمُ من خلاله بنجاح موسمِ الحجِ من عدمه, وإنها لهي بعضُ المنافع التي أشار إليها القرآنُ الكريمُ بقولِ البارئ جل جلاله: (( لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ ) ) (الحج: 28) .

وفي يقيننا أن تسليطَ الأضواء, وتوجيهَ الاهتمام نحو مقاصدِ الحجِ وغاياتهِ, ودروسهِ وآياته, كفيلٌ بتحقيقِ إنجازاتٍ لا يُستهانُ بها, ونتائجَ لا يُهوَّّنُ من شأنها, تقطعانِ بالأمةِ شوطاً إلى الأمام, وتحجزانِ لها مقعداً في مقدمةِ الصفوف, وتقفزانِ بها إلى مراتبَ علياء, وقمم شماء, فأرخِ السمعَ يا رعاك الله, واستحضر القلبَ يرحمُك الله, وهاك دروساً من مدرسةٍ فرضها الرحمن ، وبينها القرآن, ووضحَ معالمَها سيدُ ولد عدنان.

أما الدرسُ الأول من هذه المدرسةِ الكبرى: فهو الإعلانُ الصارخ, والبناءُ العظيم، بتجريدِ التوحيدِ لله ربِّ العالمين, إنه إعلانٌ للتوحيد منذُ اللحظةِ الأولى التي يتلبسُ فيها الحاجُ بالنسك, وحتى اللحظةِ الأخيرة التي يفرغُ فيها من تبلبيته توحيد, وطوافهُ توحيد, وسعيهُ توحيد, ووقُوفهُ يومَ عرفةَ توحيد, ومبيتهُ عند المشعرِ الحرامِ توحيد, ورميُه الجمارُ توحيد, وحلقُه ونحرهُ توحيد, وإفاضتُهُ توحيد, ووداعُهُ توحيد:

(( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) ) (الأنعام: 162، 163) .

فلا خيرَ في الدنيا بلا توحيد, ولا نصيبَ في الآخرةِ بلا توحيد, فمن أجلهِ أُسست الملة, ومن أجلهِ شُرعت القبلة, ومن أجله خُلقت السماواتُ والأرضون, ومن أجلهِ خُلقت الأنسُ والملائكةُ أجمعون, والعبدُ الموحد هو من أقرَّ للهِ بالربوبية المطلقة, والألوهيةِ الخالصة, وأثبتَ لربهِ أسمائهِ الحُسنى, وصفاتهِ العُلى, فهو موصوفٌ بالجمالِ, منعوتٌ بالكمال, والعبدُ الموحدُ يعلنُ بكلِ قوةٍ, ورجولة, أني لا أعبدُ إلى الله , ولا أخضع لأحدٍ سواه, ولا أدعوه إلا هو, ولا أذبحُ إلا له, ولا أقسم إلا به , ولا أتوكلُ إلا عليه , ولا أخافُ إلا منه, وأن مقاليد السماوات والأرض بيده, وأن مفاتحَ الغيبِ والكبرياءِ والجبروت له وحده, فالحكمُ حكمهُ, والأمرُ أمره, والشرعُ شرعهُ, أحقُ من عُبد, وأجودُ من أعطى سبحانه وبحمده .

ومتى تغلغل هذا الشعورُ في حسِّ المسلمِ وأعماقِ ضميره , اتضحت له معالمُ الطريق, وتجلت أمامهُ طرائقُ الحياة, وعرفَ من هو ومن يكون, وإلى أينَ النهاية, وما هو المصير ؟!

وعرفتَ لمن يُسلمُ قِيادَه ؟ولمن يُخضعُ رقبتَه, ولمن يصرفُ ولاءَه, وبمن يصول وبمن يجول, وبمن يُخاصم, ولمن يُحاكم ؟! كما أن العبدَ المسبحَ بحمدِ خالقه سيلحظُ إن كانَ ذا فطنةٍ وذكاء, أن كثرَة أعمالِ الحجِ وتداخلَها وارتباطَها بكيفياتٍ وأزمنةٍ محددة, سيلحظُ أن هناك مُشَرعاً واحداً هو الله, له المشيئةُ المطلقةُ والإرادةُ النافذة في تشريعِ ما يشاء, وفرضِ ما يريد, فيستسلمُ لشرعه, ويخضَعُ لحكمه, ويعلمُ يقيناً أن كلَ شرعِ خالفَ شرعَ اللهِ فهو باطل, وكلَ أمرٍ خالفَ سُنةَ نبيهِ فهو رد. قال الله تعالى: (( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ) ) (الشورى: من الآية21) .

وقال أيضاً: (( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) ) (النساء:65) .

وأما الدرسُ الثاني من دروسِ الحجِ الكبرى فهو: تجريدُ المتابعةِ في أداءِ العباداتِ عموماً, وفي الحجِ خصوصاً لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم فهو القائل: (( خذوا عني مناسككم ) ) [1] .

فلا يُلبى بالحجِ إلا بتلبيته, ولا تُشهدُ المشاعرُ إلا كشهوده, ولا ترمى الجمارُ إلا كرميه, ولا تُنحرُ الهدايا إلا كنحرِه, ولا يُفاضُ بالبيت إلا كإفاضته, ولا يُعزمُ بشيءٍ من أنساكِ الحج إلا بعزيمته, ولا يُرخصُ في شيءٍ منها إلا برخصتِه, ولا مشروعَ إلا ما شرعه, ولا محظورَ إلا ما حظره

(( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) ) (الحشر: 7) . (( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ) ) (النساء:80) .

إذاً فليسَ لأحدٍ حقُّ القوامةِ على هذا الدين, وليسَ لأحدٍ أن يُشرِّعَ ما يشاء, أو يُفتي بما يُريد, أو يتقدمَ بين يدي اللهِ ورسوله, فالعصمةُ التامةُ لرسولِ الله, والطاعةُ المطلقةُ لرسول الله, والفتوى المُلزمة هي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أمرَ فلا أمرَ إلا أمرُه, وإذا نهى فلا نهيَ إلا نهيُه, وإذا رأى فلا رأيَ إلا رأيه, والمحرومُ من حُرمَ بركةَ الاتباع، والمفتونُ من فُتنَ بحبِ المخالفةِ والابتداع.ألا فليتقِ اللهَ من أعجبتهُ نفسُه وغرَّه هواه, وظلَّ يُشاققُ الرسول، ويتبعُ غيرَ سبيلِ المؤمنين وزادُه آثار ةٌ من علم, وصبابةٌ من سوء فهم.

ألا أخرس الله أصواتاً لا تعرفُ للرسولِ مقداراً, ولا لجنابهِ وقاراً .

وأما ثالثُ دروسِ الحج: فيتضحُ من خلالِ مشهدِ الحجيجِ المجتمعين في صعيدٍ واحد, على اختلافِ أجناسِهم وألوانِهم, وتعددِ ألسنتِهم ولغاتِِهم, يرتدونَ لباساً واحداً, ويعبدونَ إلهاً واحداً, يقتسمونَ شربةَ الماءِ ولُقمةَ العيشِ, يتجاورُونَ في السُكنِ والمبيت, والإقامةِ والرحال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت