-النوع الثاني: حكمة علمية ، وهي وضع الشيء في موضعه .
فالحكمة النظرية مرجعها إلى العلم والإداك والحكمة الالعملية مرجعها إلى فعل العدل والصواب ، ولا يمكن خروج الحكمة عن هذين المعنيين ، لأن كمال الإنسان في أمرين: أن يعرف الحق لذاته ، وأن يعمل به ، وهذا هو العلم النافع والعمل الصالح .
وقد أعطى الله عز وجل أنبياءه ورسله ومن شاء من عباده الصالحين هذين النوعين ، قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام: [ رب هب لي حكماً ] وهو الحكمة النظرية ،
[ وألحقني بالصالحين ] وهو الحكمة العملية .
** المبحث الرابع: درجات الحكمة:-
الحكمة العلمية لها ثلاث درجات:
-الدرجة الأولى:
(( أن تعطي كل شيء حقه ، ولا تعديه ، ولا تعجله عن وقته ، ولا تؤخره عنه ) ).
لقد كانت الحكمة مراعية لهذه الجهات الثلاث بأن أعطت كل مرتبة حقها الذي أحقه الله
لها بشرعه وقدره ، ولا تعدى بها حدها فتكون متعدياً مخالفاً للحكمة ، ولا تطلب تعجيلها عن
وقتها فتخالف الحكمة ، ولا تؤخرها عنه فتفوتها ، وهذا حكم عام لجميع الأسباب مع مسبباتها
شرعاً وقدراً .
-الدرجة الثانية: معرفة عدل الله في وعيده ، وإحسانه في وعده ، وعدله في أحكامه الشرعية والكونية الجارية على الخلائق ، فإنه لا ظلم فيه ولا جور ، قال تعالى:
( إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً )
والبصيرة هي أعلى درجات العلم التي تكون نسبة العلوم فيها إلى القلب كنسبة المرئي إلى البصر ، وهذه الخصيصة التي اختص بها الصحابة عن سائر الأمة ثم االمخلصين من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي أعلى درجات العلماء ، قال: ( قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ) .
والبصيرة في الدعوة إلى الله في ثلاثة أمور:
-الأمر الأول: أن يكون الداعية على بصيرة فيما يدعو إليه بأن يكون عالماً بالحكم الشرعي
فيما يدعو إليه .
-الأمر الثاني: أني يكون على بصيرة بحال المدعو ، فلا بد من معرفة حال المدعو: الدينية ،
والاجتماعية ، والاعتقادية ، والنفسية ، والعلمية ، والاقتصادية حتى يقدم له ما يناسبه .
-الأمر الثالث: أن يكون على بصيرة في كيفية الدعوة ، وقد رسم الله عز وجل طرق الدعة ومسالكها في آيات كثيرة منها: ( قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة ... )
وهذه الآية قاعدة قوية متينة في الدعوة إلى الله تعالى ثم تكون هذه القاعدة متفرعة إلى ثلاثة أبواب: وهي الدعوة إلى الله: بالحكمة ، والموعظة الحسنة ، والجدال بالتي هي أحسن ، قال تعالى: ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) .
** المبحث الخامس: طرق تحصيل الحكمة:-
سنذكر هنا بعضاً من الطرق التي إذا سلكها الداعية المسلم كان حكيماً في أقواله وأفعاله ،
وتصرفاته ، وأفكاره ، موافقاً للصواب في جميع أموره بإذن الله تعالى ، وذلك في المطالب الآتية:
-المطلب الأول: السلوك الحكيم:
والسلوك: سيرة الإنسان ومذهبه واتجاهه، يقال: فلان حسن السلوك أو سيء السلوك.
أما الخلق: فهو حال في النفس راسخة تصدر عنها الأفعال من خير أو شر من غير حاجة إلى فكر وروية ، وجمعه: أخلاق.
والأخلاق علم موضوعه أحكام قيمة تتعلق بالأعمال التي توصف بالحسن أو القبح ، وهذه الحال تنقسم إلى قسمين:
-القسم الأول: ما يكون طبيعيّا من أصل المزاج ، كالإنسان الذي يحركه أدنى شيء نحو الغضب، ويهيج لأدنى سبب، وكالذي يجبن من أيسر شيء، كمن يفزع من أدنى صوت يطرق سمعه.
-القسم الثاني: ما يكون مستفاداً بالعادة والتدريب ، وربما كان مبدؤه بالروية والفكر ثم يستمر عليه حتى يصير ملكة وخلقاً.
والسلوك عمل إداري ، كقول: الصدق ، والكذب ، والبخل ، والكرم ، ونحو ذلك.
فاتضح أن الخلق حالة راسخة في النفس وليس شيئاً خارجاً مظهرياً ، فالأخلاق شيء يتصل بباطن الإنسان ، ولا بد لنا من مظهر يدلنا على هذه الصفة النفسية ، وهذا المظهر هو السلوك ، فالسلوك هو المظهر الخارجي للخلق ، فنحن نستدل من السلوك المستمر لشخص ما على خلقه ، فالسلوك دليل الخلق ، ورمز له ، وعنوانه ، فإذا كان السلوك حسناً دل على خلق حسن ، وإن كان سيئاً دل على خلق قبيح ، كما أن الشجرة تعرف بالثمر ، فكذلك الخلق الطيب يعرف بالأعمال الطيبة.
والحكمة تتفرع إلى فروع ، وأحد هذه الفروع هو السلوك الحكيم ، والتزام فضائل الأخلاق ، واجتناب رذائلها ظاهراً وباطناً هو السلوك الأخلاقي الحكيم.
-المطلب الثاني: العمل بالعلم المقرون بالصدق والإخلاص:
العمل بالعلم بإخلاص ، وصدق ، ورغبة في رضي الله - عز وجل - من أعظم المطالب التي تكتسب بها الحكمة بتوفيق الله وتسديده وفضله وإحسانه.