والعلم هو ما قام عليه الدليل ، وهو النقل المصدق والبحث المحقق ، والنافع منه ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم: علم الكتاب والسنة ، والمطلوب من الإنسان هم فهم معانيها ، والعمل بما فيهما ، فإن لم تكن هذه همة حافظ القرآن وطالب السنة لم يكن أهل العلم والدين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -:
(قال غير واحد من السلف ، الحكمة معرفة الدين والعمل به) .
والعلم بلا عمل حجة على صاحبه يوم القيامة ، ولهذا حذر الله المؤمنين أن يقولوا ما لا يفعلون ، فقال عز وجل:
(يأيها الذين ءامنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) .
-المطلب الثالث: الاستقامة:
الاستقامة: كلمة جامعة تشمل الدين كله ، قال تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون) .
وقال تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * أولئك أصحب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون) ، وقال تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير) .
وعن سفيان بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: قلت: يا رسول الله ، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك ! قال: (قل: آمنت بالله ، ثم استقم) .
والداعية إلى الله يجب أن يكون من أعظم الناس استقامة ، وبهذا - بإذن الله تعالى - لا يخيب الله سعيه ، ويجعل الحكمة على لسانه ، وفي أفعاله ، وتصرفاته ، وهو تعالى ذو الفضل والإحسان.
-المطلب الرابع: الخبرات والتجارب:
التجربة لها الأثر العظيم في اكتساب المهارات والخبرات ، وهي من أعظم طرق اكتساب الحكمة ، والتجربة لا تخرج الحكمة عن كونها فضل الله يؤتيه من يشاء.
وأعظم الناس تجربة ، وأكملهم حكمة: الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، لأنهم صفوة البشر اصطفاهم الله ورباهم ، ثم أرسلهم لإخراج الناس من الظلمات إلى النور ، ومع هذا ما بعث الله من نبي إلا رعى الغنم ، كما قال صلى الله عليه وسلم: (ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم) ، فقال أصحابه: وأنت ؟ فقال: (نعم ، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة.
وفي رواية: قالوا: أكنت ترعى الغنم ؟ قال: (وهل من نبي إلا وقد رعاها ؟) .
-المطلب: الخامس: السياسة الحكيمة:
إذا سلك الداعية إلى الله مسلك السياسة الحكيمة في دعوته إلى الله تعالى ، فسيكون لذلك عظيم الأثر في نجاح دعوته واكتسابه الحكمة ، والوصول إلى الغاية المطلوبة بإذن الله تعالى.
والنبي صلى الله عليه وسلم وهو أسوتنا وقدوتنا ، وإمام الدعاة إلى الله ، وقد سلك هذا المسلك ، فنفع الله به العباد ، وأنقذهم به من الشرك إلى التوحيد ، وكان لسياسته الحكيمة عظم النفع والأثر في نجاح دعوته ، وانشاء دولته ، وقوة سلطانه ، ورفعة مقامه ، ولم يعرف في تاريخ السياسات البشرية أن رجلاً من الساسة المصلحين في أي أمة من الأمم كان له مثل هذا الأثر العظيم ، ومن من المصلحين المبرزين - سواء كان قائداً محنكاً ، أو مربياً حكيماً - اجتمع لديه من رجاحة العقل ، وأصالة الرأي ، وقوة العزم ، وصدق الفراسة ، ما اجتمع في رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ولقد برهن على وجود ذلك فيه: صحة رأيه ، وصواب تدبيره ، وحسن تأليفه، ومكارم أخلاقه ، صلى الله عليه وسلم.
فإذا قام الداعية بسلوك هذا المسلك بإخلاص ، وصدق وعزيمة ، اكتسب من الحكمة في الدعوة إلى الله مكتسباً عظيماً.
-المطلب السادس: فقه أركان الدعوة إلى الله تعالى:
لا يكون الداعية حكيماً في دعوته إلى الله - تعالى - إلا بفقه وإتقان ركائز الدعوة وأسسها التي تقوم عليها ، حتى يسير في دعوته على بصيرة ، ولا شك أن فهم هذه الأركان يدخل في قوله تعالى: (قل هذه سبيلي أدعوة إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى وسبحن الله وما أنا من المشركين) ، فلا بد من معرفة الداعية لما يدعو إليه ، ومن هو الداعي ، وما هي الصفات والآداب التي ينبغي أن تتوفر في الداعية ؟ ومن هو المدعو ، وما هي الوسائل والأساليب التي تستخدم في نشر الدعوة وتبليغها ؟ هذه هي أركان الدعوة: الموضوع ، والداعي ، والأساليب والوسائل.
** المبحث السادس: إنزال الناس منازلهم ومراتبهم:-
-المطلب الأول: إنزال الناس منازلهم:
الداعية الحكيم هو الذي يدرس الواقع ، وأحاول الناس ، ومعتقداتهم ، وينزل الناس منازلهم ، ثم يدعوهم على قدر عقولهم وأفهامهم وطبائعهم وأخلاقهم ومستواهم العلمي والاجتماعي ، والوسائل التي يؤتون من جهتها.
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك للدعاة إلى الله - عز وجل - فقال لمعاذ بن جبل حينما بعثه إلى اليمن - داعياً ومعلماً وقاضياً: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب ..) الحديث.