وعن ابن عباس- رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس بن متَّى، ونسبه إلى أبيه» . [متفق عليه]
وهذه الأحاديث لا تعارض آية التفضيل المذكورة آنفًا، وينبغي أن يحمل النهي الوارد فيها عن التفضيل إذا كان على وجه الحمية والعصبية، سدًا لذريعة الانتقاص من المفضول.
قال النووي: قال العلماء: هذه الأحاديث تحتمل وجهين:
أحدهما: أنه صلى الله عليه وسلم قال هذا قبل أن يعلم أنه أفضل من يونس، فلما علم ذلك قال: «أنا سيد ولد آدم» . [أبو داود 5/354]
والثاني: أنه صلى الله عليه وسلم قال هذا زجرًا عن أن يتخيل أحد من الجاهلين شيئًا من حط مرتبة يونس صلى الله عليه وسلم .
[شرح النووي على مسلم 15/132]
وقد ذكر القرطبي أقوالاً كثيرة لأهل العلم في هذه المسألة منها: «إنما نهى عن الخوض في ذلك، لأن الخوض في ذلك ذريعة إلى الجدال، وذلك يؤدي إلى أن يذكر منهم ما لا ينبغي أن يذكر ويقل احترامهم عند المماراة» . [الجامع لأحكام القرآن 2/1070]
وقال ابن حجر: قال العلماء: «إنما قال صلى الله عليه وسلم ذلك تواضعًا، إن كان قاله بعد أن أُعْلِم أنه أفضل الخلق، وإن كان قاله قبل علمه بذلك فلا إشكال، وقيل: خص يونس بالذكر لما يخشى على من سمع قصته أن يقع في نفسه تنقيص له، فبالغ في ذكر فضله لسد هذه الذريعة» . [فتح الباري 6/1070]
وقال شارح الطحاوية بعد أن ذكر حديث أبي هريرة السابق: «فكيف يجمع بين هذا وبين قوله صلى الله عليه وسلم: أنا سيد ولد آدم ولا فخر» . فالجواب: أن هذا كان له سبب، لأن التفضيل إذا كان على وجه الحمية والعصبية وهوى النفس كان مذمومًا، بل نفس الجهاد إذا قاتل الرجل حمية وعصبية كان مذمومًا، فإن الله حرم الفخر، وقد قال الله تعالى: ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض [الإسراء:55] ، وقال تعالى: تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات [البقرة:253] ، فعلم أن المذموم إنما هو التفضيل على وجه الفخر، أو على الانتقاص بالمفضول».
وقد جاء في أبحاث اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ما يلي: «ومن هذا القبيل تفضيل بعض الأنبياء على بعض، هو نفسه جائز، فقد فضل الله بعضهم على بعض ورفع بعضهم درجات، ولكنه يمنع حينما يجر إلى الفتنة والعصبية، وقد تخاصم مسلم ويهودي في العهد النبوي، ولطم المسلم وجه اليهودي، لأنه أقسم بالذي اصطفى موسى على العالمين، وأقسم المسلم بالذي اصطفى محمدًا على العالمين، فلما بلغت الخصومة خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم غضب حتى عرف الغضب في وجهه، وقال: «لا تخيروني على موسى» . [مسلم 4/1844] ، ثم أثنى عليه بما هو أهله، ونهاهم أن يفضلوا بين أنبياء الله سدًا لذريعة الفتن، وحرصًا على وقارهم- صلوات الله وسلامه عليهم- وإذا كانت الدول تشدد في سد الذرائع، وترى ذلك ركنًا من أركان السياسة والأمن والنظام والمعاملات الدنيوية، فإنه في العقائد أخلق وفي مقام النبوة أوجب وأحق». [حكم تمثيل الصحابة ص41]
والحمد لله رب العالمين.