كم من فتاةٍ تنطوي على قلبٍ يخافُ اللهَ ويُراقِبهُ، يرجُو رحمتهُ ويخافُ عذابه، تحولت بفعلِ هذهِ الأسفارِ إلى فتاةٍ عابثةٍ لاهية، قد تعلقَ قلبُها بآخرِ الصيحاتِ، وبالجديدِ من الموضَات، تُتابِعُ بنهمٍ أغاني المُطربين، وحفلاتِ الماجنين، وتبحثُ بشغفٍ عن الجديدِ من الأفلامِ، ممَّا يُلبي طُموحَاتِها، ويُغذي اهتماماتها الساقطة !!
وكم من فتاةٍ غافلةٍ مُحصَّنةٍ ساكنة، ألهبت هذه الأسفارُ غريزتها، وأشعلت النارُ في حشاها، فأصبحت قلقةٌ تبحثُ يمنةً ويسرةً عمن يطفئُ هذه الغريزةُ المتوقدة، وقد تصفحت خلالَ هذه الأسفارِ وجوهَ الرجال، وقلبت ناظريها في سواعِدِهم وعضلاتِهم، وأصبحت تمُني نفسَها أن تكونَ ضجيعةً لبعضِ أولئكَ الذين علَّقَت صُورتَهم في مُخيِلتها، وتغيرت صحتها، وانقلبَ مزاجُها ، وأصبحت تعيشُ بنفسيةٍ قلقة، سارحةَ الذهن، تُفكرُ فيما يُمكنُ أن تتحولَ إليه حياتها في ظِلِ المتغيرات الجديدة .
وربَّ فتاةٍ تحفظُ شيئاً من القرآنِ تترنَمُ بهِ في دارِ أبيها، وترددُ على دارِ التحفيظِ النسائيةِ لتزدادَ من هذا الخيرِ، وتتلقى التربيةَ الصالحةِ، والعلمَ النافعِ، إلاَّ أنَّ أباها يقطعُ عليها الطريقَ بسفرٍ تحت مُسمَّى السياحة، وتغيرُ الجوِّ ممَّا يكونُ سبباً في قلبِ حياتها، وتغييرِ مسارهِ باتجاهٍ آخر .
ويا تُرى هل يُدركُ الأبُ أيِّ خطرٍ أنزلهُ بفلذاتِ أكباده ؟ وأيُّ شرٍ جلبهُ لهم باصطحابهم في تلكَ السفراتِ الآثمة، وقد أمرَ اللهُ تعالى بوقايَتِهم، فإذا به يُخالفُ أمرَ ربهِ ويقحِمَهم في النار، (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) ) (سورة التحريم: 6) .
قد يكونُ الأبُ رجلاً صالحاً خيراً أعجبتهُ فكرةُ تغييرِ الجو، والتنقلِ بين الدولِ، حيثُ الأجواءَ اللطيفةِ، والأنهارَ الجاريةِ، والخضرةُ النضرة، وقد يقلدُ فلاناً وفلاناً من الأخيارِ الذينَ سافروا بأهليهم، وتحدثُوا عن أسفارِهم بكلِّ إعجاب، لكن غفلَ عن الآثارِ السيئةِ التي تترُكُها مثلَ هذهِ الأسفار، ولعلهُ قد كبُرَ في سنهِ فلا تحركهُ المشاهدُ المُثيرة، التي يَراها، أو أنَّ عندهُ من الورعِ ما يمنعهُ من إطلاقِ النظرِ، لكنَّهُ غفلَ عمن يصطحِبُهم معهُ، وأثَّرة هذهِ المشاهدُ في نفسياتهم، ولعلهُ قد غفلَ أيضاً أنَّهُ من المُحتملِ أنَّ قلوبَ الأبناءِ والبناتِ قد تعلقت بتلكَ الديارِ، ممَّا يحدوا بهم في المستقبلِ أن يذهبوا إليها، وإن لم يرغبَ هو بذلك، فمن يتحملُ أوزَارَهم التي ارتكبُوها، وخطاياهم التي اقترفُوها ؟
أيُّها الأبُ: تصوّر لو أنَّ عدواً أرادَ أن يغزُوكَ في عقرِ دارك ، وأرادَ أن يُحدثَ أعظمَ نكايةٍ في أبنائِك وبناتك، هل يستطيعُ أن يفعلَ أكثرَ ممَّا فعلتُ بهم ؟!! هل تعلمُ أنَّكَ حطَّمت مُستقبلهم، ليسَ فقط مُستقبَلهم الدنيوي، بل وحتى مستقبلهم الأُخروي !!
هل تعلمُ أنَّك سلبتَ سَعادتهم، وأشغلتَ قُلُوبَهم، وأَورَثتَهم أنواعَ الأمراضِ القَلبَيةِ والنفسية؟ لقد حطَّمتَ طُمُوحاتِهم، وقضيتَ على الأملِ في نُفُوسِهم، ثُمَّ هُم بعدَ ذلكَ يعِيشُونَ في هذهِ الدُنيا بُدونِ اهتماماتٍ عاليةٍ لائقة، مُنشَغِلينَ بالأمورِ التافهةِ الساقطة، التي قطعاً لن تُلبي طُموحاتِهم، ولن تملأَ الفراغَ النفسي والخواءَ الروحي الذي حصلَ بِفقدِهم للإيمانِ والقرآن، والعبادةِ والمراقبةِ والخشيةِ وغير ذلك ممَّا كنتَ أنتَ سبباً في حِرمانِهم إيَّاه.
إنَّ الرجلَ الصالحُ العابدُ الذي بلغَ رُشدهُ واكتملَ عقلَهُ، لا يطيقُ الذهابُ إلى تلكَ البلادِ الموبؤةِ، وبقاؤهُ فيها يُسببُ ضعفهُ وقلةَ دينهِ، وتساقطِ الفضائلَ عنهُ شيئاً فشيئاً، حتى يتأثرَ بما حولَهُ، ويبدأُ العدَّ التنازلي، ويستمرأُ الباطلَ ويألفُ المُنكر، وتضعفُ غيرتهُ، حتى إذا انتبهَ إلى نفسهِ وجدَ أنَّهُ شخصٌ آخر غيرَ الذي كان !!
فقل لي باللهِ عليكَ، كيفَ بشابٍ ناشئَ سريعَ التأثرِ في مرحلةِ التكوينِ والتلقي، كيف سيكُونُ حالهُ ؟ ولم يشتدَّ عُودهُ بعد ؟!! بل كيفَ بفتاةٍ في مثلِ سنِ ذلكَ الشابِ، كيفَ سَيكُونُ حالها ؟!! وحتى تعلمَ صدقَ ما قول إليك هذه الأرقام:
نشرت منظمةَ الصحةِ العالميةِ في العامِ الماضي ـ أي عام (2001) ـ أنَّ عددَ الإصاباتِ لمرضِ الإيدز في السعوديةِ ألف ومائةُ حالة .
-ووُجِدَ في عيادةٍ واحدةٍ خاصة، للأمراضِ التناسليةِ في السعوديةِ ما يُقارِبُ من مائةِ حالةٍ لمرضِ الهر بس الجنسي، في سنةٍ ماضيةٍ، مُعظَمُها لشبابٍ سافروا في الإجازةِ إلى أوربا وأمريكا وجنوبَ شرقِ آسيا، وعادُوا منها بمرضِ الهِر بس، كما صرحَ بذلكَ أحدُ الأطباءِ السُعوديين لمجلةِ اليمامة !!
-وقد أثبتتِ الدراساتُ الاجتماعيةُ أنَّ معظمَ مُتعاطي المُخدراتِ في السعوديةِ قد وقعُوا في تجربتِهم الأولى، في رحلاتِهم السياحيةِ خارجَ السعودية !!
وإذا سألتم عن أبي ، فأبي لهُ رسمٌ على بوابةِ السفراتِ
أرخى زمامي ثُمَّ راحَ يلُومني ويُهينني بقوارعِ الكلماتِ
أنا يا أبي الغالي ضحيةُ ثروةٍ فَتحت لقلبي أسوأَ الصفحاتِ
أغرقتني فيها وما راقبتَني وتركتنِي كالصيدِ في الفلواتِ
كم كُنتُ أبحثُ عنكَ يا أبتي فما ألقاكَ إلاَّ تائهُ النظراتِ
هلاَّ أبيتَ عليَّ أن أمشي إلى حتفي وأن أسعى إلى صبواتي
أرسلتَنِي للغربِ يا أبتي ولم تُشفق على عقلِي من السكراتِ
أنسيتَ أنَّ الغربَ سرُّ شقائنا وإليهِ تُنسبُ أبشعُ الآفاتِ
إنَّه نداءٌ إلى الآباءِ بأن يتقوا اللهَ في أنفسهم، وفيمن ولاهُمُ الله، نداءٌ إلى الآباءِ أن يتقوا الله في هذهِ الرعيةِ التي استرعَاهُمُ اللهُ عليها، يقولُ r: (( كُلُكُم راعٍ ومسؤولٌ عن رعيتهِ، فالإمامُ راعٍ ومسؤولٌ عن رعيتهِ، والرجلُ راعٍ في أهلهِ ومسؤولٌ عن رعيتهِ، والمرأةُ في بيتِ زوجها راعيةً ومسؤولةً عن رعيتها ) )رواهُ البخاري ومسلم. ويقول r: (( كفى بالمرءِ إثماً أن يُضيِّعَ من يقوت ) )رواهُ أبو داود ، وقال r: (( إنَّ الله سائلٌ كلُّ راعِ عمَّا استرعاهُ الله، حفظَ أم ضيَّعَ حتى يُسألَ الرجلُ عن أهلِ بيتهِ ) )رواهُ ابن حبان، وحسنهُ الألباني، فأعد للسؤالِ جواباً وللجوابِ صوابا .
باركَ اللهُ لي ولكم في القرآنِ العظيم
الخطبة الثانية
أيُّها الأخوةُ الكرام:
للعلماءِ في بيانِ معنى السياحةِ في قولِ اللهِ تعالى: (( التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) ) (سورة التوبة: 112) .
أقوالٌ كُلُّها تدلُ على ارتقاءِ الإسلامِ إلى معالي الأمورِ، وبناءِ الأمةِ على مكارمِ الأخلاقِ، وجميلُ الخصالِ، فمنهم من فسرَ السياحةِ بالسفرِ في طلبِ العلمِ، قال عِكرِمةَ السائحونَ: هم طلبةُ العلمِ.
وفسَرَها بعضُهم بالجهادِ في سبيلِ الله تعالى، كما جاءَ في الحديثِ عندَ أبي داود عن أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِي السِّيَاحَةِ ؟ قَالَ النَّبِيُّ r: (( إِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى ) ) [8] .
وقال عطاء: السائحون: هُمُ الغزاةُ المُجاهِدُونَ في سبيلِ الله، [9] .