أمرَ اللهُ نبيَّهُ بالإعراضِ عن المُنافقينَ، وإغلاظِ القولِ عليهم، ولا يلقَاهُم بوجهٍ طلق، بل يلقَاهُم بوجهٍ عابسٍ مكفهِر، متغيرٌ من الغيظِ ، فإذا كانَ هذا مع المُنافقينَ الذينَ هُم بين أظهُرِ المُسلمينَ، يُصَلُونَ ويصُومُونَ ويحجُون، ويُجاهِدُونَ، فكيفَ بمن سافرَ إلى المشركين، وأقامَ بين أظهُرِهم أياماً وليال؟!! [3] يقولُ r: (( من جامعَ المُشرك أو سكنَ معهُ فإنَّه مثله ) )رواهُ أبو داود ، وفي قصةِ إسلامِ جريرٍ لمَّا قالَ للنبيِّ r: يا رسولَ الله ! بايعني واشترط ، فقال: (( أن تعبدَ اللهَ ولا تشرك بهِ شيئاً، وتقيمَ الصلاةَ، وتُؤتي الزكاة، وتُناصحُ المُسلمين، وتفارقُ المشركين ) )رواهُ النسائي .
وقد أدركَ عُلماءُ السلفِ- رضي اللهُ عنهم- من هذهِ النصوصِ وغيرها، تحريمُ السفرِ لبلادِ الكُفَّارِ لغيرِ عذرٍ شرعي، فعن عبدُ اللهِ بن عمرو- رضي الله عنهما- أنَّهُ قال: من بنى بأرضِ المُشرِكِينَ ، فصنعَ نيرُوزَ هم ومَهرجَانَهم، وتشبهَ بِهم حتى يموتُ وهو كذلكَ حُشِرَ معهم يومَ القيامة، وقال القرطبيُّ- رحمهُ الله- في شرحِ مسلم: ( ولا يختلفُ في أنَّهُ لا يحلُ لمسلمٍ المقامُ في بلادِ الكفرِ، مع التمكنِ منَ الخُروجِ منها، لجريانِ أحكامَ الكفرِ عليه، ولخوفِ الفتنةِ على نفسهِ، وهذا حُكمٌ ثابتٌ مُؤبد إلى يومِ القيامة ) [4] .
وقال الشيخُ عبدُ اللطيف بن حسن آل الشيخ- رحمه الله-: ( إنَّ الإقامةَ ببلدٍ يعلو فيها الشركُ والكفر، ويظهرُ فيها دينُ الإفرنجِ والروافض، ونحوِهم من المُعطلةِ للربوبيةِ والألوهية، وترفعُ فيها شعائِرُهُم، ويُهدمُ الإسلامُ والتوحيد، ويعطلُ التسبيحُ والتكبيرُ والتحميد، وتقلعُ قواعدُ الملةِ والإيمان، ويُحكُمُ بينهم بحكمِ الإفرنجِ واليونان، فالإقامةُ بينَ ظهرَانِيهِم ـ والحالةُ هذه ـ لا تصدرُ عن قلبٍ باشرهُ حقيقةُ الإسلامِ والإيمانِ والدين، وعرفَ ما يجبُ من حقِ اللهِ في الإسلامِ على المسلمين، بل لا يصدرُ عن قلبٍ رضيَ باللهِ رباً، وبالإسلامِ ديناً ، وبمحمدٍ نبياً، فإنَّ الرضا بهذهِ الأصولِ الثلاثةِ، قطبُ رحى الدين، وعليهِ تدورُ حقائقُ العلمِ واليقينِ، وذلكَ يتضمنُ من محبةِ اللهِ وإيثارِ مرضاتهِ، والغيرةِ لدينهِ، والانحيازُ إلى أوليائهِ، ما يُوجبُ البراءةَ كلَّ البراءة ، والتباعدَ كلَّ التباعد، عمن تلك نحلتهُ وذلكَ دينهُ، بل نفسُ الإيمانِ المطلقِ في الكتابِ والسنة،لا يُجامعُ هذهِ المنكرات ) [5] .
ويقولُ العلامةُ ابن باز- رحمهُ الله تعالى-: (السفرُ إلى البلادِ التي فيها الكُفر والضلال والحرية، وانتشارَ الفسادِ من الزنى وشُربِ الخمرِ وأنواعِ الكُفرِ والضلالِ فيهِ خطرٌ عظيمٌ على الرجلِ والمرأة ، وكم من صالحٍ سافرَ ورجعَ فاسداً، وكم من مُسلمٍ رجعَ كافراً، فخطرُ السفرِ عظيمٌ، والواجبُ الحذرُ من السفرِ لبلادِهم، لا في شهرِ العسلِ ولا في غيره ) [6]
ويقولُ الشيخُ صالحُ الفوازان ـ حفظه الله تعالى ـ: (( لا يجوزُ السفرُ إلى بلادِ الكفَّارِ من أجلِ النُزهةِ، لمَا في ذلكَ من الخطرِ على العقيدةِ والأخلاق، ولا يجوزُ للمرأةِ أن تُطيعُ زَوجها في السفرِ في هذهِ الحالة، لأنَّهُ معصية، ولا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخلق ) ) [7]
أمَّا بلادُ الإباحيةِ والفساد، فإنَّ المرءَ لو دُعيَ إلى وليمةٍ ممَّا يجبُ عليهِ حضُورُها فإنَّهُ لا يحلُّ لهُ أن يذهبَ ؛ إذا علمَ أنَّ فيها منكراً لا يستطيعُ تغيره، فكيفَ بمن ينفقُ المالَ ويبذلُ الجُهدَ ليأتي تلك البلادِ وهو يعلمُ ما فيها من المُنكراتِ التي لا ينوي إنكارَها فضلاً عن تغييرها .
وتعظمُ الرزيةُ واللهِ حينما يصطحبُ الأبُ أسرتَهُ وعائلتهُ إلى تلكَ الديارِ البائسة، فكيفَ يستطيعُ التحكمُ بهم ومراقبتِهم، والمحافظةُ عليهم من أسبابِ الفساد ؟!! وإذا كُنَّا نشكُو اليومَ من الآباءِ والأمهاتِ الذينَ يذهبُونَ إلى جوارِ بيتِ الله الحرام، ولا يُعنونَ بأولادِهم ولا يراقِبُونَهم، ويحصلُ منهم ألوان من المُنكراتِ في هذهِ البلادِ المقدسة، فكيفَ سيكُونُ حالُهُم في بلادِ الكُفرِ أو البلادِ الإباحيةِ التي قد يكونُ فيها من التفننِ في الفتنةِ والإغراءِ والاستدارجِ للفاحشةِ أضعافَ ما يوجدُ في بلادِ الكفر، خاصةً مع وحدةِ اللغةِ وسهولةَ التفاهم ، وكم من شابٍ ذهبَ سائحاً مع أُسرتِهِ وقد كانَ خيَّراً نظيفاً، ثم لم يرجع إلاَّ بعدَ أن تُدنس بالفاحشة، واستمرأَها بعد أن كانَ يستوحشُ من سماعها، وكم من شابٍ مُعظِمٌ لحرماتِ اللهِ وشعائره، يستعظمُ تركَ الصلاةِ أو التخلفَ عنها، تأثرَ بتلكَ المُجتمعاتِ، وضعفَ تعظيمُ اللهِ في قلبهِ فتجرأ على التخلفِ عن صلاةِ الجماعة، ثُمَّ تجرأَ على تركِ الصلاةِ بالكلية، - عافانا اللهُ وإياكم- يقولُ اللهُ تعالى: (( ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ) ) (سورة الحج: 30) .
ويقولُ سُبحَانَهُ: (( ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ) ) (سورة الحج:32) , وكم من شابٍ قد استقرَ في قلبهِ وتمكنَ منهُ مفهومُ الولاءِ والبراء، وعلمَ قولَ اللهِ تعالى: (( لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ) ) (سورة المجادلة:22) .
ضعفَ الإيمانُ في قلبهِ، وأصبحَ يرى مشاهدَ الكفرِ فلا يتمعرُ وجهَهُ، ولا يضطربُ خاطرهُ، ولا ينزعجُ ضميرهُ، حتى أصبحَ لا يجدُ في قلبهِ أيِّ عداوةٍ للكفارِ، ولا أيِّ غضاضةٍ في مودتهم ومحبتهم، والتعاملِ معهم، و إحسانَ الظنِّ بهم، والثقةُ في مشورتهم !!
وكم من شابٍ طيبُ المعشرِ، حسنُ السمتِ، نظيفُ السيرةِ، تعرفَ في سفراتهِ لوحدةٍ، أو مع أهلهِ على فتاةٍ مُنحرفةٍ من أصحابِ المخدرات، حتى تغيرت حالهُ، وتلطخت سيرَتُهُ، وذهبَ نورُهُ وبهاؤه، وتدنسَ بألوانِ الشرِّ والفساد !!
وكم من فتاةٍ عفيفةٍ طاهرةٍ كثيرةُ الحياء ، لا تستطيعُ النظرَ إلى الرجلِ الأجنبي محتشمةً اللباس، انكسرَ حياؤها، واستبدلت بثوبِها الساترِ وجلبابها الضافي لباسَ التهتكِ والتبرج، وتقليدُ المرأةِ الغربيةِ الكافرة، أو الفتاةُ الفاجرةُ التي طالما ملأت عينيها من تلك المظاهرِ القبيحةِ الفاضحة، فأصبحت تلبسُ البنطال أو اللباسَ المشقوق، وتعودت على كشفِ الوجهِ في تلكَ السفرات، فذهبَ ما كانتَ تجدهُ من الحياءِ، وأصبحت الفتاةُ التي تستوحشُ من الردِّ على الهاتفِ في البيتِ خشية أن يكونَ رجلاً يُريدُ أباها أو أخاها، أصبحت تُحادثُ الشبابَ وتضاحِكُهُم، وهكذا تمادت في هذا الطريق .
إذا قلَّ ماءُ الوجهِ قلَّ حياؤُه ولا خيرَ في وجهٍ إذا قل ماؤُه
وكم من فتاةٍ تعرفت على قراصنةِ الأعراضِ في تلكَ الرحلاتِ السياحيةِ المشبوهة، وانتهى الأمرُ بها إلى ذهابِ العرضِ وكسرِ الشرفِ، والوقوعُ في حمأةِ الرذيلة !!