فهرس الكتاب

الصفحة 9036 من 9994

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا كما يحبّ ربّنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أن محمّدًا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبِه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد: أيها الناس، إنّ الإخلاصَ في القول والعمل فضلٌ من الله يتفضّل به على من يشاء من عبادِه، فهذا الإخلاصُ يقوّي الإيمان، وهذا الإخلاص يجعَل العمل مستمِرًّا، وهذا الإخلاصُ يجعل العبدَ صادقًا، يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119] .

كم يرى الناسُ من مجاملاتٍ في محبّتهم وتعاملهم، ولكنها على غير الله، فلأدنى سببٍ تنخرِم تلك المودّةُ وتنقصِم تلك العرى، يحبُّك ويظهِر لك المحبةَ والمودة، ولكن عند أيّ نزاعٍ يظهر البغضُ والعداوة، وتتحوّل الصداقة والمحبة إلى قطيعةٍ وبَغضاء.

يصِل رحمَه ولكنه يريد الثناءَ والمدح، فلا يصِل إلا من يخاف من لسانِه، وأمّا من لا يخاف منه فلا يبالي به رحمًا قربت أم بعُدت؛ لأنّه لم يصِلهم لله ولأجل الله، ولكن إمّا رجاءَ مدحهِم أو خوفًا منهم فقط، لا أقلّ ولا أكثر، فمن يرجو ثناءَه ويخاف ذمَّه تراه يصِله ويدنيه ويقول: أنتَ رحمي وقريبي أمرني الله بصِلتك، وإن رآه حيِيًّا لا يقول سوءًا ولا يخشى من ذمِّه ولا يرجو مدحَه فإنه لا يبالي به.

يتصدَّق إذا رأى الناسَ يثنون عليه، ويمسِك إن لم يُثنوا عليه، كلّ مواقفه وأعماله لا يريد بها وجهَ الله، إنما يريد بها ثوابَ الدنيا، مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ [الإسراء:18] ، فمن كان يريد الله والدارَ الآخرة نال الثوابَ العظيم، مَن كَانَ يُرِيدُ الْحياةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ [هود:15] .

ترى هذا الموظَّف في إدارتِه إن راجعَه ذو قولٍ قويّ ولسان ذرِب أنجز معامَلته، وإن راجعه الضعيفُ ومن لا جاهَ له عطّل معاملته وأهملَها ولا كأنّ شيئًا [كان] ، لا يدفعه للعمَل إخلاصٌ ولا رجاءُ ثوابِ الله، وإنما يدفعه الرياءُ ومحبّة الثناء والقول فيه والثناء عليه وتمجيدُه، وإلا فلولا ذلك لم يقدِّم خيرًا ولم يعمَل خيرًا، معاملةُ الناس تبقى شهرًا أو شهرين، لماذا؟ لأنّ صاحبَها ضعيف لا لسانَ له ينطِق به بيانًا ولا جاهَ ولا سلطانَ ولا مقال، فلذلك لا يبالي به، وإنسان ربّما ينجِز معاملته في الساعةِ والساعتين، لماذا؟ لأنّ الإخلاصَ مفقودٌ من نفس ذلك الموظّف، مفقودٌ الإخلاصُ منه، يعامِل الناسَ على قدر مصالحه الخاصّة، لا على قدر مصالحِ الناس، هذا مستحقّ أن يُرفعَ ويُقدَّر، وهذا لا يستحقّ، فيقدِّم من لا أداءَ له ولا عملَ عنده لأجل أن يرجوَ به مصلحةً دنيويّة حاضِرة، ويؤخِّر من يستحقّ التقديمَ لأنّه لا يرجو منه مصلحةً حاضرة.

فالإخلاص لله في كلِّ الأحوال مطلوبٌ من المسلمين، في تعاملهم فيما بينهم وبين ربهم، وفي أهليهم، وفي أنفسهم، وفي تعاملهم مع الآخرين، يقول لسعد بن أبي وقّاص: (( إنك لن تنفقَ نفقةً تبتغي بها وجهَ الله إلاّ أجِرت عليها حتى ما تضَع في في امرأتك ) ) (17) [1] ، فإنفاقُك على زوجتِك وإنفاقك على أولادِك إذا ابتغيتَ به وجهَ الله مع أنه أداءٌ للواجب فإنّ الله يثيبك على هذا العمل.

إنجازك لأعمالِ المراجعين وأداءُ حقوقهم وعدَم المماطلة إذا قصدتَ بها وجهَ الله أثابك الله عليها.

فكن ـ يا أخي ـ مخلِصًا لله في تعاملك، ومخلصًا في أداءِ واجباتك، فإنّ الإخلاص عزيزٌ على النفوس إلاّ من عصمه الله ووفّقه الله وأعانه، فالمخلِص يضع الله له المحبّة والقبول؛ لأنه أخلصَ لله، فيضع له المحبةَ في قلوب الناس، والمرائي وإن انتفَع بالرياء يومًا فلا بدّ أن ينكشِفَ أمره ويعلَمَ الناس حاله. أعاذني الله وإياكم من حالة السوء.

واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن أحسنَ الحديث كتاب الله، وخير الهديِ هدي محمّدٍ ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين؛ فإنّ يد الله على الجماعة، ومن شذّ شذّ في النار.

وصلّوا ـ رحمكم الله ـ على محمّد كما أمركم بذلك ربّكم، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على عبدك ورسولك محمّد، وارضَ اللهمّ عن خلفائه الرّاشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب نبيّك أجمعين، وعن التابعين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنّا معهم بعفوك وكرمِك وجودك وإحسانك يا أرحم الراحمين...

(1) أخرجه البخاري في الصلاة (425) ، ومسلم في المساجد (33) عن عتبان بن مالك رضي الله عنه.

(2) أخرجه مسلم في الإمارة (1905) عن أبي هريرة رضي الله عنه نحوه.

(3) رواه أحمد (3/30) ، وابن ماجه في الزهد (2404) ، وابن عدي في الكامل (3/174) ، والبيهقي في الشعب (5/334) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه نحوه، وصححه الحاكم (7936) ، وحسن إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (4/237) ، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (30) .

(4) أخرجه البخاري في الوضوء (160، 164) ، ومسلم في الطهارة (226) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(5) رواه مسلم في الصلاة (488) عن ثوبان وأبي الدرداء رضي الله عنهما نحوه.

(6) أخرجه البخاري في الصلاة (450) ، ومسلم في المساجد (533) عن عثمان بن عفان رضي الله عنه.

(7) أخرجه البخاري في البيوع (2119) ، ومسلم في المساجد (649) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(8) أخرجه البخاري في الزكاة (1423) ، ومسلم في الزكاة (1031) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(9) أخرجه مسلم في البر (2567) عن أبي هريرة رضي الله عنه نحوه.

(10) 10] أخرجه البخاري في الصوم (1891) ، ومسلم في الإيمان (11) عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه.

(11) 11] أخرجه البخاري في الإيمان (38) ، ومسلم في صلاة المسافرين (760) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(12) 12] أخرجه البخاري في الصوم (1901) ، ومسلم في صلاة المسافرين (760) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(13) 13] أخرجه البخاري في الرقاق (6424) عن أبي هريرة رضي الله عنه نحوه.

(14) 14] أخرجه مسلم في الزكاة (1006) عن أبي ذر رضي الله عنه.

(15) 15] أخرجه البخاري في الإيمان (47) ، ومسلم في الجنائز (945) عن أبي هريرة رضي الله عنه نحوه.

(16) 16] قصة الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة فتوسلوا إلى الله تعالى بأعمالهم الصالحة الخالصة أخرجها البخاري في الأدب (5974) ، ومسلم في الذكر (2743) عن ابن عمر رضي الله عنهما بنحوها.

(17) أخرجه البخاري في الجنائز (1296) ، ومسلم في الوصية (1628) عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه نحوه.

الخطبة الأولى

أما بعد. . .

أيها الناس اتقوا الله وأطيعوه وأخلصوا له العبادة وحده لا شريك له فإن الله خلق الخلق وبعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله قال الله تعالى: ?وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ? (1) وقال سبحانه: ?وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ? (2) وقال: ?وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ? (3) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت