فهرس الكتاب

الصفحة 7729 من 9994

قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى:"فهذا الرجل اعتقد أن الله تعالى لا يقدر على جمعه إذا فعل ذلك، أو شك، وأنه لا يبعثه، وكل من هذين الاعتقادين كفرٌ يكفر من قامت عليه الحجة، لكنه كان يجهل ذلك، ولم يبلغه العلم بما يرده عن جهله، وكان عنده إيمان بالله وبأمره ونهيه ووعده ووعيده، فخاف من عقابه فغفر الله له بخشيته، فمن أخطأ في بعض مسائل الاعتقاد من أهل الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر والعمل الصالح لم يكن أسوأ حالاً من هذا الرجل، فيغفر الله تعالى خطأه أو يعذبه إن كان منه تفريط في اتباع الحق على قدر دينه، وأما تكفير شخص علم إيمانه بمجرد الغلط في ذلك فعظيم". اهـ

وقال ابن القيم، رحمه الله تعالى:"غفر الله تعالى له ورحمه لجهله؛ إذ كان ذلك الذي فعله مبلغ علمه، ولم يجحد قدرة الله تعالى على إعادته عناداً أو تكذيباً". اهـ

والمسلم قد تَعْرُضُ له شبهةٌ فتوقعه في الغلط، فيفهم النصوص على غير وجهها، فيقول كفراً أو يفعله، فليس لأحد أن يحكم عليه بالكفر حتى يزيل شبهته، ويصحح غلطه، فإن أصر بعد ذلك على ما به يكفر كفر ظاهراً، وأقيم عليه حد الردة، وسريرته إلى الله تعالى.

وقد وقع لبعض الصحابة شيء من ذلك؛ كما روى عبد الله بن عامر رضي الله عنهما:"أنّ عمر رضي الله عنه استعمل قدامة بن مظعون رضي الله عنه على البحرين فقدم الجارود سيد عبد القيس على عمر رضي الله عنهما فقال: يا أمير المؤمنين إن قدامة شرب فسكر وإني رأيت حدا من حدود الله حقا علي أن أرفعه إليك فقال: عمر رضي الله عنه من شهد معك؟ قال: أبو هريرة، فدعا عمر أبا هريرة رضي الله عنهما فشهد عليه عند عمر، ثم كتب عمر إلى قدامة أن يقدم عليه من البحرين، واستشهد عمر زوجة قدامة فأقامت الشهادة على زوجها، فقال عمر لقدامة رضي الله عنهما: إني حادّك، فقال: لو شربت كما يقولون ما كان لكم لتجلدوني، فقال عمر رضي الله عنه: لم؟! قال قدامة رضي الله عنه: قال الله عزّ وجل: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ... الآية) . قال عمر رضي الله عنه:"أخطأت التأويل، إن اتقيت الله عز وجل اجتنبت ما حرّم الله تعالى عليك، فجلده عمر حد الخمر"."

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:"وقد كان بعض الصحابة ظنّ أن الخمر حرّمت على العامة دون الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فشربها متأولاً، فأحضره عمر، واتفق هو وأئمة الصحابة كعلي وغيره على أنهم إن أصروا على استحلالها كفروا، وان اقروا بالتحريم جلدوا، فأقروا بالتحريم، ثم حصل لذلك نوع من اليأس والقنوط لما فعل، فكتب إليه عمر: (حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) . [سورة غافر:1- 3] . وأظنه قال: ما أدري أي ذنبيك أعظم: استحلالك الرجس، أم يأسك من رحمة الله تعالى؟!."

وهذا من علم أمير المؤمنين وعدله؛ فإن الفقيه كل الفقيه لا يُيَئّس الناس من رحمة الله تعالى، ولا يجرئهم على معاصي الله تعالى، واستحلال المحرمات كفر واليأس من رحمة الله عز وجل كفر؛ ولهذا كان دين الله تعالى بين الحرورية والمرجئة". اهـ"

أسأل الله تعالى أن يرزقنا الفقه في الدين، وأن يثبتنا على الحق المبين، وأن يحفظنا وإخواننا المسلمين من مضلّات الفتن والأهواء، إنّه سميع قريب.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) . [ص: 26] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر والحكيم.

أقول ما تسمعون واستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله؛ قضى بالحق، وأمر بالعدل، وهو بكل شيء عليم، وعلى كل شيء شهيد، أحمده وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، ومَنْ اهتدى بهداهم إلى يوم الدين. أما بعد:

فاتقوا الله تعالى - أيها المسلمون - وأطيعوه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) . [الأحزاب: 70- 71] .

أيها المسلمون:

قضية الإيمان والكفر من أخطر القضايا في دين الله تعالى، وقد ضلّ فيها طوائف كثيرة في كثير من الأمصار والأزمان، واحتار كثير من الناس بسبب الاختلاف فيها بين المفرطين والمفرطين؛ فأقوام عرضت لهم بعض الشبهات في إخوانهم المسلمين فكفروهم ثم قاتلوهم بناء على تكفيرهم لهم، ونتج عن ذلك مفاسد عظيمة من إيقاع الكفر على من لا يستحقه، ثم الاعتداء عليه، واستباحة دمه وماله؛ وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفساً بغير نفس".

ومن الظلم العظيم في هذا الباب: القول بالإرجاء، ونفي الكفر عمن يستحقه من الكفار الأصليين كاليهود والنصارى والوثنيين، أو المرتدين الذين يعلنون رفضهم لشريعة الله تعالى مع قيام الحجة عليهم، واستبانة المحجة لهم، بحجة أن وصفهم بالكفر لا يتناسب مع ثقافة الحوار، وقبول الرأي الآخر، وغير ذلك من الحجج الواهية التي تلغى بها شريعة رب العالمين؛ إرضاءاً للكافرين والمنافقين، ومن وافقهم من الظالمين والجاهليين؛ بل إن بعض من ضلوا في هذا الباب يزعمون أن الحق خفي، أو أن الأديان كلها موصلة لرضا رب العالمين، فلا يجوز الاختلاف بسببها!.

وكل هذه الأقاويل ظلمات بعضها فوق بعض، وضلال كبير، من قال به فهو يلغي الإسلام جملة وتفصيلا، وقد كفر الله تعالى من استحق الكفر من عباده، فقال عز وجل: ( لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) . [المائدة: 17] . وقال سبحانه: (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ) . [المائدة: 73] .

وكثر في سنة النبي صلى الله عليه وسلم لعن اليهود والنصارى، والحكم عليهم بالنار خالدين فيها أبداً ما داموا على عدم إيمانهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، كما روى مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة؛ يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت