فهرس الكتاب

الصفحة 8797 من 9994

اليوم يبدو كلُّه أو بعضه وما بدا منهُ فلا أحلَّه

وإذا تهاون بعض المسلمين بالفضيلة، أو خرقوا سياج الرذيلة، فذاك انتكاسٌ في الفطرة، نسألُ اللهَ السلامة، من إغواء الشيطان _ نعوذ بالله من شرّه وكيده _ وفي عالم الحيوان عبرة، وفي غيرته موعظةً لأولي الألباب، أخرج البخاري في صحيحه عن عمرو بن ميمون قال: (( رَأَيْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قِرْدَةً اجْتَمَعَ عَلَيْهَا قِرَدَةٌ قَدْ زَنَتْ فَرَجَمُوهَا فَرَجَمْتُهَا مَعَهُمْ ) ) (خ 3849، الفتح 7/156) .

وفي روايةٍ أطولُ من هذه يقولُ عمرو: (( كُنْت فِي الْيَمَن فِي غَنَم لِأَهْلِي وَأَنَا عَلَى شَرَف, فَجَاءَ قِرْد مِنْ قِرْدَة فَتَوَسَّدَ يَدهَا, فَجَاءَ قِرْد أَصْغَر مِنْهُ فَغَمَزَهَا, فَسَلَّتْ يَدهَا مِنْ تَحْت رَأْس الْقِرْد الْأَوَّل سَلّاً رَفِيقاً وَتَبِعَتْهُ, فَوَقَعَ عَلَيْهَا وَأَنَا أَنْظُر , ثُمَّ رَجَعَتْ فَجَعَلَتْ تُدْخِل يَدهَا تَحْت خَدّ الْأَوَّل بِرِفْقٍ, فَاسْتَيْقَظَ فَزِعاً, فَشَمَّهَا فَصَاحَ , فَاجْتَمَعَتْ الْقُرُود , فَجَعَلَ يَصِيح وَيُومِئ إِلَيْهَا بِيَدِهِ , فَذَهَبَ الْقُرُود يَمْنَة وَيَسْرَة , فَجَاءُوا بِذَلِكَ الْقِرْد أَعْرِفهُ , فَحَفَرُوا لَهُمَا حُفْرَة فَرَجَمُوهُمَا , فَلَقَدْ رَأَيْت الرَّجْم فِي غَيْر بَنِي آدَم ) ) (الفتح7/160) .

قال ابن حجر وفي القصةِ من شدةِ الغيرةِ ما يوازي الآدمي ولا يتعدى أحدهم إلى غير زوجته، (الفتح 7/160) .

أيَّها المسلمون:

أتوجدُ هذه الغيرة عند الحيوانِ وتغيبُ عند بعض بني الإنسان، فنسمعُ بين الفينةِ والأخرى عن ممارساتٍ شاذة، تتفطر لها الأكباد، ويتألمُ لها أهلُ الأيمان، عباد الله، إنَّ هتكَ الأعراضِ مُخِلٌ ببناءِ الأُسر، وإنَّ الخيانةَ الخُلقية هادمةٌ للبيوت، منكسةٌ للرؤوسِ، تضعُ الشرفاء، وتخدشُ كرامة النُبلاء، إنَّها تاريخٌ يُلاحقُ وفضيحة، ووصمةُ عارٍ خليقٌ بأهلِ الإسلام وأصحابِ المروءةِ والشهامةِ أن يترفعوا عنها .

جاء في وصيةِ دريد بن الصمَّة ! إيَّاكم وفضيحة النساء، فإنَّها عقوبةُ غدٍ، وعارُ الأبد، يكادُ صاحبها يُعاقبُ في حرمةِ بمثلها، ولا يزالُ عارُها لازماً له ما عاش.

وقال ابن الجوزي: ولم تزل أشرافُ العربِ في الجاهليةِ والإسلامِ يجتنبون الزنا ويذمونه، وينهون عنه . (عندما ينتصرُ العفاف/ خالد أبو صالح/38) .

عبادَ الله عِفو تعفُّ نساءَكم ، ومن هتكَ عرضَ غيرهِ أوشكَ أن يُهتكَ عرضه، ولذا

قال الشاعر:

عفوا تعفُّ نساؤكم في المحرم وتجنبوا ما لا يليقُ بمسلم

يا هاتكاً سُبلَ الرجالِ وقاطعاً سُبلَ المودة عشتَ غيرَ مُكرِّمِ

لو كنت حُراً من سلالةِ ماجدٍ ما كنت هتَّاكاً لحرمةِ مسلمِ

مَنْ يَزن يُزنَ به ولو بجدارهِ إن كنت يا هذا لبيباً فافهم

من يزنِ في بيتٍ بألفي درهم في بيتهِ يُزنى بغير الدرهم (السابق/55) .

إخوة الإسلام:

وأعظمُ من هذا أن يُشهر المنكرُ، وأن تُعلق الفاحشة، وإن تُصبح الصورةُ المنكرة على مرأى ومسمعِ الناس _ بأطيافهم المختلفة _ نسألُ اللهَ العفو والسلامةَ لنا ولإخواننا المسلمين .

وهنا لابُدَّ من وقفةٍ وتذكيرٍ ببعض الأسباب المؤديةِ إلى ظهور الفواحشِ ومنكرات الأخلاق، لاسيما الصلات غير المشروعةِ بين الرجلِ والمرأة، أو بين الرجلِ والرجل، وما نتجَ عن ذلك من زنا أو لواط أو مقدماتها.

ولعل من أبرز هذه الأسباب:

1-غيابُ الرقيب ، وتسامُح بعض الأسر إلى درجةٍ لا يدري الوليُ أين يذهب أولادهُ وبناته، ومع من يختلطون، إنَّها فوضى وليست ثقة.

وغفلةٌ وليست تزكية، وتفريطٌ لا ينتبهُ الولي والأسرة إلا إذا وقعت الواقعة.

وصُدموا على هولِ الفضيحة ؟.

2-انتشارُ وسائل الاتصال في البيوت مع الرجلِ والمرأة، ولئن كان للهاتف آثارهُ في ربطِ العلاقات، فقد عاد الهاتفُ الجوال أشد وأنكى وأكثر تأثيراً، لاسيما وقد استخدمت أجهزةً تحمل الكاميرا وتصور فورياً، وتجمع الصورة مع الصوت، بل وتُنقل الصور من جهازٍ لآخر بشكلٍ فوري، إنَّها مأساةٌ حين تنتشرُ هذه الأجهزةِ مع السفهاء، ومع الفتيان والفتيات، والمراهقين والمراهقات، ونسألُ عن معرفةِ الأسرةِ بهذا، فتصدم أن كانوا عالمين وراضين، أو كانوا غائبين وجاهلين بما في أيدي أبنائهم وبناتهم.

إنَّ الأمرَ خطيرٌ جدُّ خطير، وإذا انتقلت هذه الأجهزةُ إلى صالاتِ الأفراح، ومواقع الاجتماعات النسويةِ العامة، فالأمرُ أخطر، فتنبهوا وتأملوا.

3-الاستخدامُ السيئ للإنترنت، لاسيما مواقعٌ من السوءِ بمكان، وهي متخصصةً بتعميمِ الصورة السيئةِ في عدد من المواقع، كما أنِّ بعضَ حاملي الجوالات متخصصون في إرسال الصوتيات، أو الصور والأرقام الجوالات، فهل ندركُ ما يُشاهدُ أولادنا وبناتنا، وهل تعلمُ شيئاً عن الرسائلِ الواردةِ إليهم عبرَ الجوال، أو البريد الإلكتروني، إنَّها مجالاتٌ للغزو والفساد، كما هي مجالاتٌ للدعوة والإصلاح .

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) ) (سورة النور/19) .

الخطبة الثانية

الحمدُ لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الهادي الأمين، محمد بن عبد الله وآله وصحبهِ أجمعين، أما بعد...

عبادَ الله: ومن أسبابِ انتشارِ الفاحشة:

4-تأخيرُ زواجِ الفتياتِ لسببٍ أو لآخر غيرَ مقبول، كطمعٍ مادي، وعنادٍ أُسري، أو تعنتٍ في الشروط، وتكون الفتاةُ هي الضحية، وقد يكونُ هذا مدخلاً لتلاعبِ شياطين الإنسِ بها، وكم جنت العنوسةِ على الفتاةِ والمجتمعِ من ويلات، فاتقوا الله يا معاشرَ الأولياءِ في بناتكم، وإذا جاءَكم من ترضون دينهُ وخلقهُ فزوجوه، إلاَّ تفعلون تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ عريض.

5-وفي مُقابلِ هذا السبب سببٌ آخر، يَكمنُ في غلاءِ المهور، مما يُسببُ عزوفَ الشبانِ عن الزواج، لعدمِ القدرةِ على التكاليفِ التي يفرضها أهلُ الزوجة، وتُفرضها أعرافُ المجتمع، ورُبما ضعفَ الشابُ أو سوّلَ له رفقاءَ السوءِ أن يقضي وطرهُ بالحرام، فزاد قلقهُ وفقره، وكان سبباً لإفسادِ غيره.

6-ومن أسبابِ انتشارِ الفاحشةِ كثرةُ السائقين وانتشار الخدم، مع إعطاءِ الثقةِ بهم إلى حدِّ معرفةِ خواصِ أهلِ البيت، والذهابُ بالنساءِ _ حيث شئنَّ _ واختلاطُ الخادمات بالأبناءِ البالغين، مما يُنتجُ عنهُ مخاطرُ وبلايا لا يعلمها إلاَّ الله، فمن بُلي بشيءٍ من ذلك فا ليحتط وليُحاذر، وليكن فطناً لبيباً.

7-ومن الأسبابِ كثرةِ ارتياد النساءِ للأسواقِ أو الحدائق، وتركهنَّ في السوقِ أو في الحديقةِ دُون محرم، ورُبما جاءَ إليهنَّ الولي في ساعةٍ متأخرةٍ من ليلٍ أو نهار، وهو لا يدري ما حالُ المرأةِ ولا من يتصلُ بهذه الفتاةِ في حالٍ يتفردُ بها الذئاب، وتتناوشها السهام، فهل رخصت عليكم نساؤُكم وبناتكم إلى هذا الحد، وإذا كانت الثقةُ هي الأصلُ في المرأةِ فاعقل واتَّكل، واحزم ولا تُفرط، وما بين الثقةِ والاهتمام من تعارض، فهل نتَّعظُ بغيرنا ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت