فهرس الكتاب

الصفحة 8447 من 9994

العزيز الذي له العزة جميعا قهر بعزته كل شيء، وهو الحميد في أقواله وأفعاله وأوصافه (( الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) ) (البروج: من الآية9) ، خلقاً وعبيداً يتصرف فيهم كما يشاء (( وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد ) ) (البروج: من الآية9) ، علماً وسمعاً وبصراً ، وهو الشهيد على ما كان من أمر المؤمنين وأصحاب الأخدود وفي هذا تطمين لأهل الحق، وتهديد للعتاة المتجبرين، فكفى بالله شهيدا، أفما يخاف هؤلاء المتمردين أن يأخذهم بغتة وهم لا يشعرون، أوماعلموا أنهم مماليك لله ، وأنه بالمرصاد لكل متكبر جبار (( وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ* مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيد *يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظ ) ) (ابراهيم:17-18-19) .

ثم أوعدهم [3] ووعدهم ، وعرض التوبة عليهم، فقال: (( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ) ) (البروج:10) أي العذاب الشديد المحرق .

قال الحسن رحمه الله: انظروا إلى هذا الجود والكرم، قتلوا أولياؤه وأهل طاعته، وهو يدعوهم إلى التوبة"فإن لم يتوبوا ولم يندموا على ما فعلوا (( فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ) ) (البروج: من الآية10) ، وينص على الحريق وهو مفهوم من عذاب جهنم، ولكنه ينطق به وينص عليه ليكون مقابلا للحريق في الأخدود، ولكن أين حريق من حريق؟ في الشدة والمدة!حريق الدنيا بنار يوقدها الخلق وحريق الآخرة بنار يوقدها الخالق، وحريق الدنيا لحظات وينتهي، وحريق الآخرة أبد الآباد، ومع حريق الدنيا رضي الله عن المؤمنين، وانتصار لذلك المعنى الإنساني الكريم, ومع حريق الآخرة غضب الله والارتكاس الهابط الذميم. [4] "

وبعد بيان عقوبة الظالمين، ذكر تعالى ثواب المؤمنين، فقال: (( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ) ) (البروج:11) .

ففي كل زمان يتعرض فيه أهل الإيمان للابتلاء، فإن العاقبة لهم بوعد الله الذي لا يخلف (( وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ) ) (طه: من الآية132) ، (( فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ) ) (هود: من الآية490) .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونسأله تعالى أن ينفعنا بمواعظه وعبره، وأن يرزقنا تلاوته، والعمل به إنه جواد رحمن كريم والحمد لله رب العالمين

الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً كثيراً كما أمر، وأشكره وقد تأذن بالزيادة لمن شكر، وأشهد أن لا إله إلا الله - وحده لا شريك له - إرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله سيد البشر، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين .

أما بعد: فما زالت النذر والعبر تتوالى في هذه السورة، لتحذر الطغاة والمتجبرين من بأس الله وبطشه الشديد، فإنه الفعال لما يريد (( اللَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ) (( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) ) (( إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيد*إِنَّهُ هُوَ يُ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ بْدِئُ وَيُعِيدُ*وَهُوَ الْغَفُورُالْوَدُودُ ) ) (البروج:14,13,12) .

يحب أولياؤه وينتصر لهم، ويدافع عنهم وهم يحبونه ويعبدونه (( ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ) )أي صاحب العرش العظيم، الذي من عظمته، أنه وسع السموات والأرض، والكرسي بالنسبة إلى العرش كحلقة ملقاة في فلاة بالنسبة لسائر الأرض، وخص العرش بالذكر لعظمته ولأنه أخص المخلوقات بالقرب منه، ثم جاءت الإشارة إلى قصتين طويلتين، ورد ذكرهما في القرآن كثيرا (( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُود * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ِ ) ) (البروج:17-18) وكيف فعل الله بهم من العذاب والنكال وبغيرهم من الطغاة المستكبرين، الذين تمردوا على شرع الله، وآذوا عباد الله كما قال تعالى: (( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ* إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاد* وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَاب * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ٍ ) ) (الفجر:7-14) .

أفلا يعتبرون! بل هم في تكذيب وعناء، فلا تنفع فيهم العبر والآيات، ولا تجدي لديهم العظات (( بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ*وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ) ) (البروج:20,19) ، فهم في قبضته وتحت تدبيره .

(( بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيد*فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ٌ ) ) (البروج:21-22) .

فهذا القرآن وإن كذب به المشركون وأعرض عن العمل به الضالون، فهو كتاب الله متناه في الشرف والكرم، والبركة وسعة المعاني، وكثرة الخير والعلم، محفوظ من الزيادة والنقصان، ومن كيد شياطين الجن والإنس، مكتوب في أم الكتاب ( اللوح المحفوظ ) ، الذي قد أثبت الله فيه كل شيء ولله الحمد والمنة .

وبعد أيها الأخوة: فما أحوج المسلمين اليوم، ولا سيما أهل العلم والعمل والدعوة والإصلاح على الرجوع إلى كتاب الله، والنظر في سنن الله، لئلا يجد اليأس إلى قلوبهم سبيلا، وليعلموا أن نصر الله قريب، ووعده حق وصدق، وأن أهل الإيمان هم الأعلون وإن ذلوا ظاهرا، وهم المنتصرون وإن غلبوا في نظر عباد الشهوات والماديات، فحينما تتبدل الأحوال ويقف المسلم موقف المغلوب المجرد من القوة المادية، يواجه أهل الباطل في إصرارهم وجحودهم، وتحيط به ظروف الباطل في قوته وكثرة أهله، وانتفاشه وتعاظمه، فلا يفارق المسلم شعوره بأنه الأعلى، ينظر إلى غالبه من عل ما دام على الإيمان ويستيقن أنها فترة وتمضي، وأن للإيمان كرة لا مفر منها، وهبها كانت القاضية فإنه لا يحني لها رأسا.ً

إن الناس كلهم يموتون، أما هو فيستشهد، وهو يغادرهذه الأرض إلى الجنة، وغالبه يغادر إلى النار، وشتان شتان... وهو يسمع نداء ربه الكريم: (( لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلاد * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ* لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ ِ ) ) (آل عمران:196-199) .

وعد الله لا يخلف الله وعده لكن أكثر الناس لا يعلمون، ألا فاتقوا الله - رحمكم الله - وتيقنوا أن العاقبة للتقوى، وأن من نصر دين الله، وحفظ حدود الله حفظه الله ونصره وأيده وسدده .

فالله أكرم من عبده، فمن أقبل على الله بقلبه أقبل الله بقلوب الناس إليه، ومن صبر على دين الله وتمسك به، بوأه الله المنازل العالية في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر .

اللهم اجعلنا من أنصار دينك، ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت