فهرس الكتاب

الصفحة 4289 من 9994

وليعلم كل من ينصح لنفسه، ويريد لها الخير- أن الله أنزل القرآن هداية عامة، لكل أحد موردًا عذبًا لكل مسلم، وأن الله لم يخص به طبقة دون طبقة، ولا عالمًا دون عامي، ولا أهل زمن دون غيرهم، ولا الماضين دون اللاحقين، فإنه حجة الله الباقية على مدى الدهور والأيام، وهو الكتاب المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا تنقضي عجائبه، ولا تشبع منه نفوس المؤمنين وقلوبهم، وهو الذي سيسأل عنه كل أحد في أول مرحلة من مراحل الآخرة- القبر- وما بعدها لا يستثني الله من ذلك السؤال عاميّا ولا غير عامي، ولا ينفع عنده جوابًا عن هذا السؤال في أي موقف من مواقف الآخرة ولا مرحلة من مراحلها، أن يقول: كنت عاميًا لا أعرف، أو أميًا لا أقرأ، فقلدت غيري، وسمعت الناس يقولون فقلت مثل ما قالوا. فخذ حذرك، واستعد للجواب، يوم لا تغني نفس عن نفس شيئًا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون.

وخير ما يفسر القرآن: القرآن، فإنك تقرأ الآية من السورة، فيخفى عليك معناها، فإذا جئت السورة الأخرى، وجدتها بأسلوب أوضح، ولفظ أبسط، وكذا تجد القرآن يقص القصص بألوان متعددة، ويسوق العبر في صور شتى، ويبين السنن الإلهية في عبارات متشابهة؛ وذلك قوله تعالى: الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني.

والذوق القرآني العلمي لا يكون مع الإعراض عن التلاوة، ثم تأخذ المصحف وتطلب الآية الواحدة ثم تحاول فهمها، كلا، إن الذوق القرآني إنما ينعم به من اتخذ القرآن له خليلاً وصاحبًا ورفيقًا في قيامه وقعوده ومضجعه، وليله ونهاره وشأنه كله مع الإيمان به، والاتباع لأوامره والوقوف عند حدوده جهد الاستطاعة، ذلك هو الذي يكسب ذوق القرآن، ويفقه في القرآن، وييسر الله به تدبر القرآن، ويفتح الله به مغلق القلوب، ويبصرها بنور القرآن.

والله تعالى قد يقصد إلى معنى من المعاني أو حكم من الأحكام لكنه ينزله في عدة آيات مملوءة بالمواعظ والتخويف والتبشير والترغيب والترهيب، فيكون هذا المعنى أو الحكم لا يفهم على حقيقته إلا بهذه الآية أو الآيات مجتمعة، وبهذا النظم المحكم، فإذا أنت قطعت أوصال هذه الآيات، وفرقت أولئك الأخوات ثم حاولت الوصول إلى هذا المعنى أو الحكم بعد ذلك، فأنت غير مستطيع ولا واصل، وإذا وصلت إلى شيء فإنما وصلت إلى معنى مشوه أو حكم محرف؛ لأنك

سلكت غير السبيل، وأخذت في غير المنهج، وعدوت على آيات الله فمزقت شملها.

ومن هنا نجد كثيرًا من المتكلمين في القرآن وتفسيره يحيد بهم هذا العدوان عن قصد السبيل، ويأخذ بهم هذا الطريق المعوج إلى معاني تنفر منها النفوس الطيبة، وتمجها الأذواق القرآنية السليمة.

والقرآن لم ينزله الله ليكون تابعًا لمذهب فلان أو رأي فلان، وإنما أنزله مهيمنًا على كل كتاب سبق نزوله من عند الله، وعلى كل كتاب يحدثه أحد من الناس بعد القرآن، فالقرآن حاكم غير محكموم عليه، والقرآن حجة، ولا حجة عليه، والقرآن إمام ولا إمام قبله، بل كل أحد فيجب أن يكون مؤتمًا بالقرآن في قوله وهديه وعمله.

فإذا ما عكست الحقائق، وقلبت الأوضاع وجعلت القرآن تابعًا لمذهبك، فلا مناص لك من أن تحرفه، أو تؤوله تأويلاً هو إلى التحريف أقرب منه إلى التفسير، وقد جنى كثير من أتباع المذاهب الكلامية والفروعية على هذا القرآن والسنة أعظم جناية، بمحاولتهم لتلك الأغراض الفاسدة إذ حكمت عليهم قواعدهم التي زعموها حقائق ثابتة، وبراهين قطعية، بأن يردوا كثيرًا من آيات القرآن؛ أو يعزلوها عن وظيفتها العربية من الفهم والأفهام، والدلالة على المعنى الذي أنزلها الله دالة عليه، وجرّ تحريفهم هذا- الذي زعموه تفسيرًا- إلى بلاء عظيم وفساد في الأمة كبير، وصدق الله إذ قال: يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين.

والحمد لله رب العالمين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت