أيها المؤمنون إن من الأسباب الرئيسة التي جعلت كثيراً من المسلمين يتشبه بالكفار من اليهود والنصارى الاختلاط بالكفار والانفتاح عليهم وذلك أن هذه العصور شهدت ثورة كبرى في الاتصالات والنقل فقربت المسافات واتصلت الجهات حتى غدا العالم كما يقال قريةً واحدةً، فلما وقع ذلك كثر الاحتكاك بهم والتعامل معهم فأدى ذلك إلى ظهور معالم التشبه والتبعية والتقليد لأمم الكفر في حياة المسلمين وواقعهم فرأينا بعض إخواننا هداهم الله من جعل الغرب وما فيه قدوة له في اللباس والزي وفي الأكل والشرب وفي تصفيف الشعر وقصه بل وتمادى بعضهم حتى قلدوهم في الفكر والرأي فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ولا حلَّ لهذه المشكلة إلا بالتقليل من خلطة هؤلاء ووجودهم بين المسلمين فلا يجوز لأحد أن يسافر إلى بلاد الكفر إلا عند الحاجة ويجب أن يكون المسافر عنده من العلم والإيمان والصبر واليقين ما يدفع به شبهاتهم ويتقي به ما في بلادهم من فتن وشهوات تهتز لها الجبال الرواسي. كما أنه يجب علينا جميعاً أن نتعاون على عدم استقدام الكفار إلا عند عدم وجود من يقومون بما يقومون به من أعمال وذلك أن تكاثرهم بين ظهرانينا في بيوتنا وأعمالنا وأسواقنا ومكاتبنا له تأثير بالغ في بث أخلاقهم وإشاعة أفكارهم.
(1) المنافقون: 8.
(2) آل عمران: 139.
(3) المائدة: 48.
(4) الأحزاب: 1.
(5) أخرجه أحمد من حديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعاً برقم 5093 وأخرجه أبو داود في اللباس برقم 4031.
(6) أخرجه الترمذي في الاستئذان والآداب من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص برقم 2695.
(7) أخرجه أبوداود في الصلاة برقم 652.
(8) أخرجه مسلم في الطهارة من حديث ابن عمر رضي الله عنه برقم 259.
(9) أخرجه أبوداود في الصوم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه برقم 2353 وأخرجه أحمد مرفوعاً برقم 27218.
(10) أخرجه البخاري في الاعتصام بالكتاب والسنة برقم 7320.
(11) آل عمران: 139.
صحبة الأخيار
الخطبة الأولى
أما بعد. . .
?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ? (1) واعلموا أن الله تعالى لنافذ قدرته، وبالغ حكمته خلق الخلق بتدبيره وفطرهم بتقديره فكان من لطيف ما دبَّر وبديع ما قدر، أن خلق الإنسان مطبوعاً على الافتقار إلى جنسه، راغباً في مصاحبة من هم على شاكلته، ميالاً إلى مخالطة أفراد نوعه ومجالسة بني جلدته. وقد جاءت شريعة أحكم الحاكمين ملبية لهذه الحاجة الفطرية التي يصلح بها معاش الناس ومعادهم. ولكنها بينت أنه لا يصلح للصحبة كل إنسان فحثت على صحبة المتقين الأبرار، ونهت وحذرت عن صحبة أهل المعاصي والأشرار، وذلك لما للأصحاب من أثر على دينه وعقله وخلقه، قال النبي r: (( المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل ) ) (2) .
وقد أدرك العلماء والعقلاء أثر الصاحب على صاحبه، فحثوا على صحبة الأخيار، وحذروا من صحبة الأشرار قال مالك بن دينار رحمه الله: إنك أن تنقل الحجارة مع الأبرار خير من أن تأكل الحلوى مع الأشرار. وقال أبو الدرداء t: لصاحب صالح خير من الوحدة والوحدة خير من صاحب السوء. ومن كلام علي رضي الله عنه:
ولا تصحب أخا الجهل وإياك وإياه
فكم من جاهل أردى حليماً حين يلقاه
يقاس المرء بالمرء إذا ماهو ماشاه
أيها المؤمنون الزموا صحبة الأخيار ومودة المتقين الأبرار الذين تزيدكم صحبتهم استقامة وصلاحاً فإن صحبة هؤلاء تورث الخير في الدنيا والآخرة ولها ثمرات طيبة وآثار مباركة ولذا أمر الله سبحانه نبيه بها فقال جل ذكره: ?وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً? (3) .
فمن ثمار صحبة الأخيار، ما أخبر به النبي r حيث قال: (( مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة ) ) (4) ، فأنت لا تعدم من جليس صالح خيراً.
ومن ثمار صحبة الأخيار أن حضور مجالس الخير معهم سبب لمغفرة الذنوب ففي الصحيحين عن أبي هريرة t في الحديث الطويل: قال رسول الله r: (( إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر ) )وفي الحديث أن الله سبحانه وتعالى يسألهم عن مجالس هؤلاء وما يقولون فيها فتقول الملائكة: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك فيقول الله في آخر الحديث: (( أشهدكم أني قد غفرت لهم ) )قال: فيقول ملك من الملائكة: . . . . . . فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة فيقول الله تبارك وتعالى: (( وله قد غفرت هم القوم لايشقى بهم جليسهم ) ) (5) . فلله ما أعظم صحبة الأخيار وأطيب عاقبتها.
أيها المؤمنون إن من ثمار صحبة الأخيار محبتهم، ومحبتهم سبب لمشاركتهم في خير الدنيا ونعيم الآخرة ففي الصحيحين عن أبي موسى tقال: قيل للنبي r: الرجل يحب القوم ولم يلحق بهم ؟ قال: r (( المرء مع من أحب ) ) (6) .
ومن ثمار صحبة الأبرار التأثر بهم والاقتداء بسلوكهم وأخلاقهم واستقامتهم كما قال النبي r: (( المرء على دين خليله ) ) (7) وقد صدق القائل:
إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي
ومن ثمار صحبة الطيبين أنها تذكره بالله تعالى فيفيده ذلك في عقله ودينه قال النبي r: (( أولياء الله الذين إذا رُؤوا ذكر الله ) ) (8) فرؤية الأبرار تذكر بالله فكيف بمصاحبتهم ومجالستهم ؟ قال بعض السلف: (( إن كنت لألقى الرجل من إخواني فأكون بلقياه عاقلاً أياماً ) ). وقال آخر: (( كنت أنظر إلى أخ من إخواني فأعمل على رؤيته شهراً ) ).
ومن ثمار صحبة هؤلاء ما قاله علي بن أبي طالب t: عليكم بالإخوان فإنهم عدة في الدنيا والآخرة ألا تسمع إلى قول أهل النار: ?فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ ` وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ? (9) . فمن فوائد صحبة المؤمنين الأخيار ماحدث به النبي r عن المؤمنين بعد اجتيازهم للسراط: (( حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده مامنكم من أحدٍ بأشدَ مُناشَدَةً لله في استقصاء الحق من الله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم فتُحَرَّم على صورهم النار فيخرجون خلقاً كثيراً قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه ) ) (10) .
فالله أكبر ما أعظم الصحبة الطيبة وأحسن عاقبتها وما أكثر فوائدها وأطيب ثمارها ولو لم يكن فيها إلا أنها سبب للخروج من النار لكان ذلك كافياً في الحرص عليها والاستكثار منها.
الخطبة الثانية
أما بعد. . .
فاتقوا الله عباد الله واحذروا مصاحبة الفساق وأهل المعاصي والأشرار الذين يزينون لكم معصية الله تعالى ويعينونكم على تضييع حقوق الله تعالى بارتكاب المعاصي وترك الواجبات.