فهرس الكتاب

الصفحة 8562 من 9994

أطلتْ بواكيرُ الصحوةِ، وأشرقتْ تباشيرُ الصباح، واستعادتْ الأمةُ الموجعةُ شيئاً من عافيتها، واستردتْ قسطاً من شبابِها، واكتشفتْ بعضاً من هويتِها فرجع الناسُ إلى دينِ الله أفواجاً، وامتلأتِ المساجدُ شيباً وشباباً، وتحجبتِ النساءُ السافرات، وعمتِ الصحوةُ أقطارَ المعمورةِ، فلم يستأثرْ بها قطرٌ دون آخر أو شعبٌ دون شعب، وقرعَ الناصحون الأبوابَ والأسماع وعظاً وإرشاداً، ولاقى الكتابُ الإسلاميُ رواجاً مذهلاً، وأنصتَ الناسُ إلى الشريطِ الهادفِ بلهفةٍ وشوقٍ بالغين. ومع سعادتِنا بكلِّ مبهِجاتِ النفوس هذه، ومطمئناتِ القلوبِ تلك .

إلاَّ أنَّ ذلكَ كلهَّ لا ينبغي أنْ يُحدِّرُنا عمَّا نصبوا إليه، من المجدِ التامِ والإصلاحِ الشامل، وعودةِ الأمةِ إلى صدارةِ الدنيا من جديد .

أيها المسلمون:

إنَّ ما تحققَ من خلالِ هذهِِ الصحوةِ المباركةِ حقاً الآن، لا يعدُ عُشرَ مِعشارِ ما نصبوا إليه، وما نطمحُ إلى تحقيقهِ، فنحنُُ خُلقنا لنكونَ سادةَ الدُنيا بإيمانِنا، وقادةَ البشريةِ بتوحيدنا، ولذا كان لزاماً ألا تتوقفَ الجهودُ الخيرة أو تتعطلَ الطاقاتُ الموهوبة، عن دفعِ مسيرةِ الإصلاح في كلِّ جوانبِ الحياةِ ، وكلِّ منحى من مناحيها.

إننا نحن المسلمين نمتلكُ إمكاناتٍ مذهلةٍ لم توظفْ، وقدراتٍ مدهشةٍ لم تُستثمرْ وطاقاتٍ كامنةٍ لم تُستغل. ولو تَدبرنا أوضاعَنا، وتأملنا واقعَنا، لوجدنَا أنفسنَا بحاجةٍ إلى إعادة النظر في صنفين من الطاقات التي نمتلكها .

الأولى: طاقاتٌ معطلة يجبُ أن تُحركَ وتُُشغلَّ !!

والأخرى: طاقاتٌ مهدرة يجبُ إعادةُ ترشيدِها واستغلالِها !!

وهاك أمثلةً ونماذج، علَّك تُساهم في تنشيطِها، وتأجيجِ حماسِها، فممن يقف على رأس الطاقاتِ المعطلة جمٌ غفيرٌ من العلماءِ الراسخين، اعترفنا أم لم نعترف، لا يزالونَ معزولينَ عن الصحوةِ، أو التفاعلِ الإيجابيِ مع شبابِها ومنظريِِها، وهؤلاءِ العلماءُ الراسخون كمْ تحتاجُهم الصحوةُ المباركةُ لقيادتِها ودفعِ مسيرتِها حتى لا يحصُلَ الغلُو أو الجفاء ، أو الانحرافُ عن المسارِ الصحيح، ويخطئُ من يظن أن النتائجَََ ستكونُ مُطمئنةً، وأنَّ الآمالَ ستكونُ متحققةً، ما دام العُلماء معزولينَ عن قيادةِ الصحوة، وتوجيهِها وتقويمِها، وفقَ المنهجِ الأصيل المستمد من الكتابِ والسُنَّة .

ولذا كانَ على الشباب واجبُ الالتفاف حولََ علمائِهمُ العاملين، وتحريكِ هممِ المقصرينَ منهم، وإشعارِهم بعظمِ مسؤوليتهم ومسيسِ الحاجةِ إليهم.

والعلماء بدورهم مطالبونَ بتفجيرِ طاقاتِهم، وتقلدِ مهامهِم، والنزولِ إلى الساحةِِ بثقلهمِ، وخوضِ الميدانِ بكلِّ قواهم .

فقدْ:

هتفَ العلمُ بالعمل:: فإنْ أجابََ وإلا ارتحل !

أيها الأحبةُ في الله:

ومن الطاقاتِ المعطلةِ كذلك: أساتذةُ الجامعات، فلو يممتَ وجهكَ شطرَ الجامعات التي يزخرُ بها عالمُنا الإسلاميُ الكبير، فماذا سترى ؟! لا أظنَّه يخفاك تلكُ الأعدادُ الهائلةُ من الأساتذةِ المتخصصِين في علومِ الشريعةِ وغيرها، فما الدورُ الذي قامَ به الإسلاميونَ منهم، لدفعِ مسيرةِ الصحوة ومساندتِها تعليماً، وتوجيهاً وبحثاً، ألا يُعدُ أولئك الأساتذةُ المتخصصون طاقاتٍ معطلةٍ وإمكاناتٍ مشلولة!

كمْ همْ حملةُ الدكتوراه الذين تزخرُ بهم جامعاتُنا؟ والذين أمضوا سنواتٍ عديدة في بحوثِهم ورسائِلهم ؟

خذْ المتخصصينَ في علومِ الشريعةِ على سبيلِ المثال، ثم انظر كمْ عددُ الناشطينَ منهم في التعليمِ والدعوة، خارجَ نطاقِ جامعاتِهم؟ كمْ عددُ الذين أنشؤُوا حِلقاً في المساجد ؟ كمْ عددُ الذين يشاركون في إلقاءِ المحاضرات، وتوجيهِ الناسِ وتوعيتِهم ؟! كم عددُ الخطباءِ منهم ؟ ولمنْ يتركونَ المنابر ؟

أليسَ من المؤلمِ أن تُشيَّد كليةٌ للدعوةِ مثلاً، وينفقُ عليها الملايين، ويكونَ مناطاً بها، تخريجُ الدُعاةِ والموجهين، ثم تُقلبُ النظَر يمنةً ويسرة فلا تكادُ تجدُ من بينِ أساتذتِها، أو خريجِيها من يتصدَّى للدعوة كمحاضرٍ أو كاتبٍ، أو خطيب خارجَ أسوارِ كليتهِ، إذاً أليس أساتذةُُُ الجامعاتِ بعامة طاقاتٍ مُعطلة ؟! في وقتٍ تمسُ الحاجةُ إلى جهودِهم وقدراتِهم، وإبداعاتِهم. إنَّ على هؤلاءِ الأساتذة أن يتولَّوا زمامَ المبادرةِ إلى إنشاءِ حِلقِ العلم وتوعيةِ الناس، ولا ينتظروا حتى يطرق الناس أبوابَهم طلباً لدرسٍ أو محاضرة.

هذا الإمامُ مسلم - رحمه الله - يروي لنا أنَّ جندبَ بنَ عبد اللهِ البجلي، الصحابيَ الجليل، (( بعثَ إلى صاحبٍ له يُدعى عسعسُ ابنُُ سلامة ، فقالَ له:اجمعْ لي نفراً من إخوانك حتى أحدَّثهم، فبعثَ إليهم فاجتمعوا، فأخَذَ يحدثُهم عن رسولِ الله r ) ) [1] .

ترى من الذي طلبَ من جُندب t أن ينشئَ تلكَ الحَلْقة ؟ ويؤسسَ ذلكَ المجلسَ المحفوفَ بالملائكة؟ لقد بادَر هو من ذاتِه من نفسِه، دونَ ضغطٍ أو إلحاحٍ من أحد ، وما ذلك إلا لعظمِ شعورِه بأبعادِ مسئوليتِه، وحسنِ تقديرِه لدورِه في نشرِ العلم، وبثِ الوعيِ في أوساطِ الناس .

وهذا سعيدُ بن جبير، يقولُ لأصحابِه وتلاميذه: أسألوني فإنِّي أوشكُ أنْ أفارقَكم.

وقبله ابنُ مسعود t يقول: يا أيها الناس سلوني عن كتابِ الله .

فو اللهِ ما منْ آيةٍ من كتابِ الله، إلا وأنا أعلمُ متى نزلتْ ؟ وفيما نزلت ؟

إنَّهم رجالٌ يقدَّرون دورََهم، ويَعون واجبَهم بصدقٍ وإخلاصٍ، ولا يعرفونَ الانغلاقَ على النَّفس، أو الانكبابَ على الذات .

أيها المسلمون:

ومن الطاقاتِ المعطلةِ بعض أئمة المساجد سدَّد الله خطاهم، فإن من بركاتِ الصحوة وقطوفِها الدانية، أن تسنَّم الشبابُ الخيرون منصبَ الإمامةِ في غالبِ المساجد وللهِ الحمدُ والمنة، وهذه المساجدُ أماكنُ فاضلة، ومواقعُ خصبة للدعوةِ والإصلاح .

يحضرها أناسٌ من نوعٍ خاص، لديهم استعداداتٌ واسعة للتقبلِ والسماع.ِ فماذا صنعَ الأئمةُ الأفاضل تُجاه أولئكَ المترددينَ على مساجِدهم؟! هل خصَّصوا دروساً يفيدُ منها أولئكَ القادمونَ إليهم من كِّل مكان ؟! وهل استعانوا بإخوانِهم طلبةِ العلم، للغرضِ نفسه ؟ هل تفقدوا الصفوفَ ؟ وناصحوا المتخلفين عنها ؟ تُرى لما توقفَ النشاطُ التعليمي في بعضِ المساجد، على قراءةِ بضعةِ أحاديث من رياضِ الصالحين، ودونَ تحضيرٍ أو إعداد ؟!

ألا إنَّ أئمتَنا طاقاتٌ معطلةِ، يجب أن تستشعرَ دورَها، وتدركَ واجبَها، وتقومُ به خيرَ قيام، لتعودَ للمسجدِ هيبتهُ ووظيفتُه الأولى، كمنارةِ علم، ومنبرِ توجيهٍ وإرشاد، ومَعْقِدِ راياتٍ وجيوش، ومجمعِ بحثٍ وتشاور .

أيها الموحدون:

ومن الطاقاتِ المُعطلة تلكَ الأقلامُ السيالة، التي ينعمُ بها بعضُ أبناءِ الصحوة من كتابٍ، ومفكرين، حيث لا يَزالُ كثيرٌ من تلكَ الأقلام مثقلة بمدادِها المحبوس.

تُرى كمْ سنجني من الخيرِ العميم، حين يُتحفُنا كُتابُنا الخيرون بمقالاتِهم الجذابة، وكتاباتِهم الرائعة، وحر وفِهم الشيقة. فهذا يكتبُ مقالاً في صحيفة، وذلك زاويةً في مجلة، وآخرُ يصدرُ كتاباً، وهكذا تتفجرُ الطاقاتُ الكامنة، وتتحركُ الأناملُ المشلولة، خذ المجالَ التاريخي على سبيلِ المثال. كمْ نحنُ بحاجةٍ إلى منْ يقرأُ التاريخَ من جديد ؟! ثم يكتبُ التاريخَ من جديد!إذ لا زالتْ العديدُ من الحقبِ التاريخية مجهولةً إلى حدِّ كبير، ولا زالتْ جملةٌ من الحقائقِ التاريخية مغلوطةً إلى حدِّ بعيد، وما برحتْ معظمُ الوقائعِ التاريخية مشوهةًَ إلى حدِّ عميق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت