وجاءَ الصيفُ وجاءت معهُ مشكلاتٌ كثيرة، وظواهر خطيرة، جَلبَها الناسُ أنفسهم، فمنِ السفرِ إلى بلادَ الكُفرِ والضلال، إلى ما يحصلُ في السواحلِ والشواطىءِ، إلى ما يحصُلُ في الحدائقِ العائليةِ، إلى الجلُوسِ على الأرصفةِ إلى أخرِ الليلِ، إلى غيرَ ذلكَ من المُشكلاتِ والظَواهِرِ التي يُشاهِدها كلَّ أحد، ولعلي أتطرقُ إلى بعضِ هذهِ المُشكلاتِ فأُشِيرُ إليها إشاراتٍ سريعةٍ يسيرة، ابدأُ بهذهِ الظاهرةِ المُنتشرةِ، المتفشيةِ في ليالي الصيف، وهيَ خروجُ الأفرادِ والأسَرِ إلى الشَوارعِ وقوارعِ الطُرقِ، وهذا أمرٌ نُشَاهِدُهُ جميعاً في كثيرٍ من الشُوارعِ، في طولِ المدينةِ وعُرضها، تجدُ تجمعاتٍ من الأفرادِ أو تُكتلاتٍ من الأُسرِ مصحُوبةً في الغالبِ بكثيرٍ من المُنكراتِ الظاهرة، وهذا في الحقيقةِ يظنهُ بعضُ النَّاسِ يسيراً وهو أمرٌ عسير، (( وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ ) ) (سورة النور: 15) .
لأنَّهُ يُؤدِّي إلى مفاسدَ كثيرة، ويحملُ مَحاذيرَ خطيرة، وأنَا أُشيرُ إلى قليلٍ منها.
أولاً: تحريمُ النبيِّ- صلى الله عليه وسلم- ونهيهِ الصريح من الجُلُوسِ في الطُرقاتِ كما ثبتَ عنهُ- عليهِ الصلاةِ والسلام- من قولهِ: (( إياكم والجلوس في الطرقات, قالوا: يا رسول الله مجالسنا ليس لدينا منها بد، فقال- عليه الصلاة والسلام- فإن أبيتم إلاَّ ذلك فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حقهُ يا رسولَ الله ؟ فقالَ- عليه الصلاة والسلام-: كف الأذى ، وغض البصر، ورد السلام ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) ).
فَفُهم من هذا النهيِّ عن الجُلوسِ على قارعةِ الطريقِ بحيث يكونُ الإنسانُ تحتَ مَرأَى الرائح والغَادِي ، إلاَّ أن يُعطِي الطريقَ حقهُ، وهذا أمرٌ يكَادُ يُكُونُ مُستحيلاً، فإنَّ هَؤلاءِ الجَالسِينَ لا بصرهم غضُّوا، ولا أذاهُم كفُّوا، ولا بالمعروف أمروا، ولا عن المنكرِ نَهوا .
ثانياً: من المحاذيرِ ارتكابُ نهيِ النبيِّ- صلى الله عليه وسلم- عن الجُلُوسِ والحديثِ بعد صلاةِ العِشاءِ، فقد كان- عليه الصلاة والسلام- يكرهُ النومَ قبلها والحديثَ بعدها، ومعلومٌ أنَّ هذهِ المجالس تستهوي أهلَها تحتَ ظُروفٍ مُناسِبةٍ، كالجوي ، والاجتماع، والحديث وغير ذلكَ، فيبقُونَ إلى ساعةٍ مُتأخرة.
ثالثاً: وهو نومَهُم عن صلاةِ الفجرِ غالباً، ومعلومٌ أنَّ ما سَبَّب المفسدة فهُو مفسدة، وما جرَّى إلى الحرامِ فهُو حرام، يقولُ العلماءُ إذا كانَ سَهَرُ الإنسانِ في صلاةِ النافلةِ وقراءةِ القرآن، وطلبِ العلمِ سيُؤدِّي إلى تفويتِ صلاةِ الفجر، التي هِي الفريضةُ، فإنَّ هذا العلم وتلك العبادة حرامٌ على الإنسانِ، لأنَّها نافلةٌ تَسببت في ضياعِ فرضٍ، فكيفَ بمن يسهرُ على المُحرماتِ والجلساتِ، وتكونُ الضحيةُ صلاةُ الفجر!!!
رابعاً: من المحَاذِيرِ أن هذا يُعد من خوارمِ المُروءةِ، وممَّا يُنافي الوقارَ والسمت الذي ينبغي أن يكونَ عليهِ المُسلم، وخُصُوصاً إذا كانَ الإنسانُ يأكلُ ويشربُ ويُمارِسُ التصرفاتِ على قارعةِ الطريق، فإنَّ هذا لا يليقُ بالمسلم.
خامساً: من المحاذِيرِ أنَّ هؤلاءِ في الغالبِ تَمتدُّ أبصارهم إلى ما حرم الله تعالى ،فكيف يغض بصره من جلس في مكان؛ النساء فيه عن يمينه وشماله ، ومن أمامه وخلفه. والله يقول: (( قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إن اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) ) [النور30 ] .
وأخِرُ المَحاذِيرِ ما دأب عليه كثير من الآباء الذين فرَّطُوا في أسرهم، ألا وهيَ إخراجُ أهليهم ونساءِهم وبناتِهم من البيوت، حيثُ ينثرونهم في الشوارع والطرقات.. ويا ليتهم يخرجونهم بعيداً عن مرأى الرجال ولكن وللأسف الشديد على الأرصفةِ تحتَ الأنوارِ الكاشفةِ، وأمامَ الغادي والرائح من الناسِ ، إنَّهُ منظرٌ ما أبشَعَهُ ، ومشهد ما أشنعهُ ، أسر متجمعة ونساء متكتلة، تجاذب لأطراف الحديث، وشرب للقهوةِ والشاي، وطبخ ونفخ ، والجلوس أمامَ التلفازِ، كلُّ هذا أمامَ الغادي و الرائحِ من الناس.
أيُّها المُسلمونَ:
وهذا أيضاً يُؤدي ويجرُّ إلى مفاسدَ كثيرةٍ وخطيرة، فمن ذلك:
أولاً: تجرأ الفتياتِ والنساءِ على التحلل والتبرج، و التبذل وكشفِ الحجاب، وإلقاءِ الثيابِ أمامَ الرجال ، ومن هو السبب ؟ إنه أبُوها الذي أخرجها أو زوجها الذي عرضَ لحمَها أمامَ الرجالِ الأجانب، على طُولِ الطريقِ وعُرضه، ولا شَكَّ أنَّ الفتاةَ أو المرأة تألفُ هذا الشيء، ولقد حدثني الأخوة العاملينَ في جهازِ الحُسبة أنَّهم رأوا بأعينِهم فتياتٍ يتجمعنَّ على لعبِ الكُرةِ على قارعةِ الطريقِ أمامَ الناس!!
ثانياً: ومن المفاسدِ أيضا ، أنَّ هذا الذي يُخرجُ نساءهُ ويرضى بعرضِ لحُومِهنَّ أمامَ الرجال، قد تسببَ في فتنةِ الرجالِ ونظرهم إلى نساءهِ، فجرَّهم جراً إلى الفتنةِ، والله عز وجل يقول: (( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ) ) (سورة البروج: 10) .
ثالثاً: ومن المفاسدِ أيضا ، تسكُّع الفتياتِ وتسيب النساءِ على الأرصفةِ، ممَّا يجعلهُنَّ عُرضةً للالتقاءِ بالشبابِ الصائدِ المتربص، فتحصلُ اللقاءات، ورُبما غيرَ ذلكَ من المفاسدِ التي تتبعُ ذلك، وإذا علمتَ أنَّ كثيراً من الأُسرِ إنَّما تخرجُ بصحبةِ السائقَ لا غير، هانَ عليكَ تصور هذا الأمر، وهذا ما جرَّ إلى مفاسدَ كثيرةٍ وخطيرة، ألا فليتقي الله هؤلاءِ الآباءِ وهؤلاء الأزواجِ والأولياء، وليحفظُوا نساءَهم ولا يُعوِدُهُنَّ على الخُروجِ والتبذل، و إن كانَ ولابُدَّ فليخرجوا بعيداً عن الرجالِ ، ليتقُوا اللهَ، فإنَّ اللهَ سائِلُهم عن مسترعاهم .
أيها المسلمون:
وهُناك ظاهرة تكثرُ وتبرزُ في ليالي الصيفِ، إلا وهي ما يحصلُ في الحدائقِ العائلية ، والتي من أعظم سيئاتها الاختلاط، الذي هو بابٌ خطير، ودربٌ مُظلم ِإلى التحللِ و التفسخِ والانسلاخ ، واللهُ عز وجل أعلمُ وأحكمُ حينما شرعَ لنا الأحكامَ ،و التي هي بمثابةِ السياجِ الذي يحمي الحرمات، ويحفظُ العورات، فمن ذلكَ تحريمُ الخُلوةِ بين الرجلِ والأجنبية، ومن ذُلِك منع التقاءِ الرجلِ بالمرأةِ الأجنبيةِ واختلاطهما، يقولُ اللهُ عز وجل: (( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ) ) (سورة الأحزاب:53) .
اللهُ أكبرُ يا أخوةَ الإسلام، لمنِ الخطابُ في هذه الآية؟ الخطابُ للصحابةِ، لأصحابِ النبيِّ- صلى الله عليه وسلم- خيرُ جيلٍ، وأشرفُ رعيلٍ، ولمن أيضاً؟ لأُمهاتِ المؤمنين، أزواجُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: (( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ) )، لماذا ربنا ؟ قال تعالى: (( ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ) )أطهرُ لقُلوبِكم وقلوبهنَّ، فإذا كانتِ الفتنةُ تخشى على الصحابةِ وأزواجِ النبي- صلى الله عليه وسلم- فكيفَ بغيرهم وكيف بغيرهن؟!!