2-أن الإسلام جعل زينة المرأة وسيلة لا غاية ، وسيلة لتلبية نداء الأنوثة في المرأة ، وللظهور أمام زوجها بالمظهر الذي يجلب المحبة ويديم المودة . وإذا كانت الزينة بهذه الصفة فإنه لا ينبغي للمرأة أن تعطيها أكثر مما تستحق من الوقت ، ولا أن تنفق عليها أكثر مما تتطلبه من المال ، بل القصدَ القصدَ ، لأن الوقت هو حياة الإنسان ، ومن عرف قيمة الوقت واستفاد منه فقد أدرك قيمة الحياة وساعات العمر ، والإسراف مذموم شرعاً وعقلاً ، وعلى المرأة المسلمة أن تراجع حسابها في مجال الإنفاق على وسائل الزينة ومتابعة الموضات .
3-لقد رخَّص الإسلام للمرأة في موضوع الزينة أكثر مما رخص للرجل تلبية لفطرتها وأنوثتها، لكنه لم يطلق لها العنان لتحصيل الجمال أو استكماله ، وإنما وضع القواعد والأسس لئلا يُدخل في الزينة ما ليس منها ، فكل ما فيه تغيير لخلق الله تعالى ، أو ثبتت مضرته على البدن ، أو فيه تدليس أو إيهام فالمرأة ممنوعة منه شرعاً، لكن شدة العاطفة والرغبة في محاكاة الآخرين أدت إلى تخطي الزينة المباحة إلى الزينة المحرمة - إن صح التعبير - بسبب ضعف الإيمان والتساهل في أحكام الدين ، والاستجابة لهوى النفس ودواعي الشيطان .
4-كل زينة فيها تشبه بنساء الكفار فالمرأة ممنوعة منها شرعاً ، قال صلى الله عليه وسلم ( من تشبه بقوم فهو منهم ) حديث حسن . والضابط في هذا أن كل فعل مأخوذ عن الكفار مما هو من خصائصهم فهو تشبه ، أما ما انتشر بين المسلمين مما لا يتميز به الكفار ففي كونه تشبهاً نظر ، لكن قد ينهى عنه لئلا يكون ذريعة إلى التشبه ، وإذا عارض هذا الفعل نصاً من نصوص الشريعة أو أصلاً ، أو ترتب عليه مفسدة فإنه ينهى عنه . وقد ظهر في هذا العصر تشبه المسلمين بالكفار واضحاً ، وبدأت الأسواق تلفظ ألواناً غريبة من ألبسة النساء [ قصيرة ، وضيقة ، وشفافة ، وشبه عارية ] وصارت النساء ، بسبب جهلهن أو إعجابهن بما عليه غيرهن ، تتهافت على اقتنائها ، وتدعو معامل التفصيل والخياطة إلى مضاعفة جهودها في تهيئة كل ما يخالف تعاليم الإسلام وآدابه .
وصار من آثار ذلك الميل إلى الكفار والإعجاب بما هم عليه ، و يخشى من ذلك أن ينشأ جيل هو أقرب إلى صفة الكفار وهيئتهم منه للمسلمين .
ومن الأمثلة: لبس البنطال ، فإنه إلى زمن قريب لم يكن معروفاً بين نساء المسلمين ، لوجود حاجز منيع ، وهو الدين والحياء ، ثم حصل المكر والخداع فنزل إلى الأسواق على هيئة واسعة فضفاضة ، فقبله فئام من الناس على هذه الصفة ، فكسر الحاجز بينهم وبينه ، ثم صار لبسه بل والخروج به إلى الأسواق تحت العباءة أمراً مألوفاً بجميع أشكاله وأنواعه ، مع أنه ليس من لباس المرأة المسلمة .
إن التشبه بالكفار ضعف وانهزامية ، وعقدة نقص سرت في أجسام بعض المسلمين في هذا العصر ، وليس لأحد أن يمنع التجديد في صفة التفصيل والخياطة مما وافقت هيئته تعاليم الإسلام في هذا الباب.
5-الحجاب ليس عادة ، وإنما هو عبادة وطاعة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، تثاب عليه المرأة المسلمة كما تثاب على امتثالها أحكام الشرع .
والحجاب الشرعي أن تستر المرأة جميع بدنها ومن ذلك الوجه والكفان والقدمان ومواضع الزينة . وليس الحجاب ستر الجسم وإظهار الوجه والكفين كما قد تفهمه بعض النساء في هذا العصر إما تعلقاً بفتوى مجانبة للصواب ، أو تأثراً بدعاة الفساد والسفور ، لأن الحجاب إذا كان القصد منه حفظ المرأة ووقاية المجتمع من أسباب الفساد والانحلال فإن هذا لا يتحقق إلا بستر الوجه الذي هو مجمع المحاسن ، وإذا كان الله تعالى يقول: ( وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) (النور: من الآية31) فكيف يباح للمرأة كشف وجهها ؟ وأي الزينتين أولى بالستر وأعظم فتنة ؟ وجه ممتلئ نضارة وجمالاً ، أو صوت خلخال في قدم امرأة لا يُدرى ما سنُّها ؟ وما جمالها ؟
6-التبرج والسفور من أعظم مقاصد دعاة الفتنة ورواد الفساد في الأرض ، والتبرج هو أن تبدي المرأة للأجانب جمال وجهها ومفاتن جسدها ومحاسن ملابسها وحليها . والسفور هو كشف غطاء الوجه . وقد ظهر التبرج في المجتمع المسلم بصور مختلفة وأشكال متعددة ، ينذر بشيوع الفاحشة والانحدار في مهاوي الرذيلة ، وهدم الأسر والبيوت . فعلى المرأة المسلمة أن تحذر كل الحذر ممن يريد أن يمس كرامتها ، أو يقضي على عفتها أو يتلاعب بعقلها أو يبتز مالها ، مما تقوم به وسائل الإعلام مستخدمة في ذلك الأفلام والصور والقصص بُغْيَةَ التأثير على المرأة .
7-أن القائمين على تحرير المرأة و دعوتها للسفور والتبرج لم يجدوا ميداناً أكثر تأثيراً على المرأة من ميدان الزينة، لأنهم يدركون مدى أهمية الزينة في نظر المرأة ، فراح أصحاب الدعايات الخبيثة والشعارات البراقة ينفذون مخططاتهم القائمة على العري والكشف وإبراز المفاتن معارضة في ذلك الغاية الحقيقية ، وهي الحماية والكرامة التي جاء الإسلام بحفظها . والغرض من هذا أن تكون المرأة المسلمة حذرة ، ومتيقظة لما يراد بها ويحاك ضدها ، وأن تعلم يقيناً أن هذا السيل الجارف من صنوف الأقمشة وتصميم الأزياء ، وأدوات التجميل قد قصد به العبث بالمرأة وإفسادها قبل نهب مالها .
رسالة إلى المعتكفين
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..
أما بعد: فإن مما يسر المسلم إحياء السنن ، وإظهار شعائر الدين ، ومن ذلك سنة الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان ، تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم وبأصحابه وبسلف هذه الأمة ، وقد شاهدت في الحرمين الشريفين هذه السُّنَّةَ واضحة جلية في صفوف الشباب .
لكن رأيت عدداً منهم لم يفهموا معنى الاعتكاف ولم يدركوا الحكمة العظيمة من مشروعيته ، ومن ثمَّ وقعوا في أخطاء ينبغي التنبيه عليها لتفاديها ، ولهذا رأيت أن أكتب هذه الرسالة المختصرة في معنى الاعتكاف ، وحكمة مشروعيته ، وحكمه ، ومكانه ، ووقت الدخول والخروج ، وشيء من أحكامه ، ووظيفة المعتكف ، والتنبيه على بعض أخطاء الاعتكاف .
فالاعتكاف في اللغة: لزوم الشيء، والعكوف عليه، قال تعالى (( يعكفون على أصنام لهم ) ) [الأعراف:138] يقال: عكف واعتكف: إذا لزم المكان.
وشرعاً: لزوم المسجد لعبادة الله تعالى .
وأما الحكمة من مشروعيته فإن للاعتكاف فوائد عظيمة، فإنه عُزلة مؤقتة عن أمور الحياة، وشواغل الدنيا، وإقبال بالكلية على الله تعالى، وانقطاع عن الاشتغال بالخلق، خصوصاً في ختام شهر رمضان، فهو متمم لفوائده ومقاصده، متدارك لما فات الصائم من جمعية القلب، وهدوء النفس والانقطاع إلى الله تعالى ، ولهذا قال بعضهم: الاعتكاف هو: قطع العلائق عن كل الخلائق للاتصال بخدمة الخالق .