فهرس الكتاب

الصفحة 5281 من 9994

وقوله تعالى: فآمنا به أي إيمانًا صادقًا سليمًا من الشرك. ولن نشرك بربنا أحدا؛ لأن الإيمان الذي يخالطه الشرك يفتر ولا ينفع، فَشَرطُ النجاة بالإيمان أن يكون سليمًا من الشرك. قال تعالى: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون {الأنعام: 82} .

عن ابن مسعود رضي اللَّه عنه قال: لما نزلت هذه الآية شقّ ذلك على المسلمين، وقالوا: أيّنا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا قول لقمان لابنه: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم". {متفق عليه} .

ولكنّ كثيرًا من الناس آمنوا بالله ثم أشركوا، كما قال تعالى: وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون {يوسف: 106} ، ترى مؤمنًا بالله يذبحُ لغير اللَّه! وترى مؤمنًا بالله ينذرُ لغير اللَّه! وترى مؤمنًا بالله يستغيثُ بغير اللَّه! وترى مؤمنًا بالله يدعو غير اللَّه! فأيٌّ إيمانٍ هذا؟! لقد كانت الجنُّ أعلم بحقيقة الإيمان من هؤلاء، حين قالت: ولن نشرك بربنا أحدا، لقد علمت الجنّ أن الإيمانَ المطلوبَ للسلامة والنجاة هو الإيمانُ السليمُ الخالي من ملابساتِ الشرك، فلما أعلنوا الإيمانَ بيّنوا أنه الإيمانُ الصحيح الذي يسلم من الشركيات، فقالوا: فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا.

فعليك يا عبد اللَّه وقد هداك ربّك للإيمان أن تحرصَ على سلامةِ إيمانك من دَرَنِ الشرك، وأن تكره الوقوع فيه كما تكرهُ أن تقع في النار.

ثم نزّه الجن ربهم عن الصاحبة (الزوجة) والولد، فقالوا: وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا يعني: تعالتْ عظمةُ ربّنا عن اتخاذ الصاحبةُ والولد، لا يليق بعظمة اللَّه وجلاله وكبريائه أن يكون له زوجةٌ أو ولدٌ، تعالى اللَّه عن ذلك علوًا كبيرًا، ولقد كانوا وقعوا في هذا الاعتقاد الباطل- أن للَّه صاحبة وولدًا- تقليدًا لبعض كفرة الإنس والجنّ الذين قالوا: للَّه ولد، فالآن حصحص الحق، وعلموا أن اللَّه لم يتخذ صاحبةً ولا ولدًا، فآمنوا بذلك، ونزّهوه سبحانه عما قال الظالمون، وقالوا معتذرين عما وقعوا فيه من الباطل، وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا أي: قولاً عظيمًا في الافتراء، والمراد بقولهم: سفيهنا الذين قالوا اتخذ اللَّه ولدًا، فالآن وقد ظهر الحق، وعرفوا أن اللَّه لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا نسبوا قائل هذا القول إلى السفاهة، فهم سفهاء حمقى جهلة حين ادعوا للَّه ولدًا، ثم ذكروا ما حملهم على تصديقهم، فقالوا: وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا، لقد كنا نعتقد أنه لا يجرؤ أحدٌ أن يفتري الكذب على اللَّه، فلما قالوا للَّه ولد، صدّقناهم، وقلنا لابدّ أن عندهم علمًا بذلك، ولم نظنّ أنْ يكْذِبُوا على اللَّه، والآن قد تبين الحقّ، وظهر كذبُهم، فرجعنا عن هذا الباطل، ونزّهنا اللَّه عما يقول الظالمون.

وهكذا كان الجنّ مغرورين بسفائهم، مخدوعين بهم، حتى تبيّن لهم الحق، وكم من رجالٍ مخدوعين مفتونين برجالٍ ظنّوهم من الصالحين، وهم إخوانُ الشياطين! حتى إذا أراد اللَّه بهم الخير أظهر لهم الحقّ على يد أوليائه فعلموا أنهم كانوا في ضلال مبين.

فاحذر- أخا الإسلام- أن تكون من المغرورين المخدوعين، ولا تقبل من أحد شيئًا من الدين إلا إذا كان معه دليل من كتاب اللَّه أو سنّة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، فديننا يقوم على دعامتين: الكتاب والسنة، ولا مجال في ديننا لأقوال الرجال ولا آرائهم، وليس هناك من يجب اتّباعُه إلا النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه ما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى {النجم: 3، 4} .

وقوله تعالى: وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا قال عكرمة: كان الجنّ يَفْرَقُون من الإنسان كما يَفَرَقُ الإنس منهم أو أشدّ، فكان الإنسُ إذا نزلوا واديًا هربَ الجنَّ، فيقولُ سيّد القوم: نعوذُ بسيّد أهلِ هذا الوادي. فقال الجنّ: نراهم يَفْرَقُون منّا كما نَفْرَقُ منهم. فدنوا من الإنس فأصابوهم بالخبل والجنون.

وعلامَ يخافُ الإنس من الجن؟ إنّ الجن أضعفُ من الإنس، فهم يخافونهم كما ذكر عكرمة، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه:"والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطانُ قطّ سالكًا فجًا إلا سلك فجًا غير فجك". {متفق عليه} .

وهكذا كل من كان قويّا في دينه.

فالجنّ ضعيفٌ جدّا، فكيف يخافه الإنسان؟! إنّ المؤمن المعتصم بالله، المتوكل عليه، ما جعل اللَّه للشيطان سبيلاً عليه، كما قال تعالى للشيطان: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان {الإسراء: 65} ، والشيطان نفسه استثنى عبادَ اللَّه الصالحين، قال: فبعزتك لأغوينهم أجمعين (82) إلا عبادك منهم المخلصين {ص: 82، 83} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت