فهرس الكتاب

الصفحة 9046 من 9994

ويمكن أن يتضح شمول العبودية لجميع مناحي الحياة من تعريف أهل العلم والفقه لمعنى العبادة يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:"هي اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة"فعلى هذا تكون العبادة شاملة للأعمال القلبية كمحبة الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه، والتوكل عليه، والإخلاص له، والصبر لحكمه، وهي شاملة للأركان الشعائرية من الصلاة والزكاة والصيام والحج وتطوعاتها وما يتبعها، وهي أيضاً شاملة للعلاقات الاجتماعية والأحوال الشخصية و الأخلاق والفضائل التعاملية، وهي تشمل أيضاً الأحكام القضائية التشريعية والشؤون التجارية والاقتصادية والسياسية.

فالدينونة لله تعالى والعبودية له سبحانه دائرة واسعة تحيط بجميع جوانب الحياة وفروعها من آداب الأكل والشرب وقضاء الحاجة إلى بناء الدولة وسياسة الحكم. وقد أدرك الصحابة رضي الله عنهم هذا المعنى بل وعرفه المشركون والمخالفون لدعوة الإسلام في ذلك الوقت ففي صحيح مسلم عن سلمان رضي الله عنه قال: (( قال لنا المشركون: إني أرى صاحبكم يعلمكم حتى يعلمكم الخراءة(أي قضاء الحاجة) فقال: أجل نهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه أو يستقبل القبلة ونهى عن الروث والعظام وقال: لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار )) (4) .

والمتأمل في سيرة الصحابة الكرام رضي الله عنهم يرى ويشهد أنهم كانوا يراجعون النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من الأحوال وفي أكثر الأحيان، وأنهم كانوا يتوقفون في انتظار الوحي في كثير من قضاياهم وشؤونهم إلا أنه مع مضي الأوقات وفشو الجهالات وقلة العلماء والدعاة اعترى مفهوم العبودية كثيرٌ من التغيير والتبديل والانحراف حتى أصبحنا نرى ونسمع من يدعي الانتساب إلى الإسلام ثم إنه لا يرى ضيراً ولا حرجاً أن يصرف أنواعاً من العبادات القلبية أو العملية لغير الله تعالى إما بحجة أنهم أولياء الله أو أنهم وسطاء أو أنهم وسائل أو غيرُ ذلك من الشبه و أصبحنا نرى ونشاهد من وحد الله بالقصد فلم يعبد إلا الله تعالى لكنه لم يتابع النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء به فعبد الله بهواه وما تمليه عليه رغبته. . . وكلا الفريقين ضل الطريق وأخطأ السبيل فإن الله تعالى أمرنا بعبادته وحده سبحانه فقال تعالى: ?وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ? (5) وقال تعالى: ?وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً? (6) وأمرنا أيضاً أن لا نعبده إلا بما شرع قال تعالى: ?قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ? (7) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) ) (8) رواه البخاري ومسلم. فالواجب على العبد الراغب في تحقيق عبوديته لله تعالى أن يطهر قلبه ويصفيه ويخليه من كل شائبة شرك أو قصد لغير الله تعالى فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وابتغي به وجهه سبحانه. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه ) ) (9) رواه مسلم. وعليه أيضاً أن يجتهد في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم واقتفاء أثره فإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى حسب متابعة العبد للنبي صلى الله عليه وسلم ينال من انشراح الصدر ورفع الذكر وكثرة الأجر عند الله سبحانه وتعالى. فعليكم عباد الله بالإخلاص والمتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم فليست العبرة بكثرة العمل مع التفريط في الإخلاص لله ومتابعة الرسول بل العبرة بحسن العمل قال الله تعالى: ?الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ? (10) .

قال الفضيل بن عياض رحمه الله: (العمل الحسن هو أخلصه وأصوبه. قالوا يا أبا علي: أخلصه وأصوبه قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل وإذا كان صوابا ً ولم يكن خالصاً لم يقبل حتى يكون خالصاً صواباً والخالص: ما كان لله والصواب: ما كان على السنة"."

فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا من أهل الإخلاص والمتابعة وأن يوفقنا إلى خير الأقوال والأعمال، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

أما بعد..

فإنه قد تقدم لنا في الخطبة الأولى صورتان من صور الانحراف الذي طرأ على الأمة في مفهوم العبودية لله تعالى، ومن صور الانحراف في مفهوم العبودية لله تعالى أن بعض من أعمى الله بصيرتهم وأضلهم عن سواء السبيل تصوروا أو صُوّر لهم أن عبادة الله تعالى هي تلك الأقوال والأعمال التي تضبط علاقة العبد بربه من صلاة أو زكاة أو صيام أو حج أو تلاوة وذكر أما ماعدا ذلك من الأمور فليس لها بالعبادة أو العبودية لله تعالى صلة بل هي موكولة إلى الناس يفعلون فيها ما يشاؤون ويحكمون ما يريدون، ولا شك أن هذا فهم مبتور مغلوط دلّت نصوص الكتاب والسنة على بطلانه بل دل العقل على ضعفه وضلاله إذ كيف يستقيم في الأذهان أو يصح عند أولي العقول والأبصار أن يعلم النبي المختار صلى الله عليه وسلم أمته تفاصيل ودقائق آداب قضاء الحاجة ثم يعرض ويترك تعليمهم الأمور العظام والقضايا الجسام التي بها تستقيم الحياة في المدن والأمصار بل لو قال قائل: إن هذا فيه أعظم التنقيص والإزراء بالشرائع والأنبياء لما جانب رأي الألباء والعلماء. وقد خلّف هذا الفهم المغلوط انحرافاتٍ خطيرةً توشك أن تخرج بأصحابه عن سبيل أهل الإسلام ومن هذه الانحرافات الجسام أننا سمعنا من يقول ويكتب: إن الدين والعبودية لله ليس لها دخل في التجارة أو الاقتصاد أو السياسة أو الإعلام أو غير ذلك من مجالات الحياة بل آل الأمر بكثير من أصحاب هذا الفكر الضال المنحرف أن فصلوا الدين عن الحياة وجعلوا الكتاب والسنة اللذين هما سبيل النجاة ينظمان علاقة العبد بربه ولا يتجاوزون بهما هذا الحد. بل لم يقتصر الأمرُ على ذلك فرأينا أصحاب هذا الانحراف الذين ضرب النفاق قلوبهم بجرانه ينكرون على كل من يصدر عن السنة والقرآن في سياساته أو اقتصادياته أو أحكامه أو أنظمته أو سائر شؤون حياته ويقذفون بأقذع الأسماء ويصفون بأبشع الأوصاف كُل من دعا إلى تحكيم الكتاب و السنة، فتارة يسمون المتمسكين بالكتاب والسنة في دق الأمر وجليله رجعيين، وتارة ظلاميين، وتارة أصوليين، وتارة متطرفين، أو إرهابيين، فحسبنا الله ونعم الوكيل. . . أيها المؤمنون احذروا هؤلاء المضللين المنافقين فإنهم من أعظم ما يفسد الأديان ويخرب الأوطان وتمسكوا بكتاب ربكم وسنة نبيكم فهما سفينة النجاة وقد أمر الله بذلك فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ?فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ? (11) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت