إن ما حصل لك في طريقك وأنت في رحلتك الأولى، وفي رعيك للغنم هو نوع من الابتلاء، كما أن ما حصل لك في طريقك وأنت عائد إلى أهلك ووطنك من المواقف والمشاهد العظيمة هو نوع من الابتلاء أيضاً، وإن كان هناك فرق بين الابتلائين، وتلك الابتلاءات هي سبيل التمكين.
إنّ هذا هو اختيار الله ـ تعالى ـ لك، ونِعمَ المختار، ونِعمَ الاختيار. قال ـ تعالى ـ: {وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} .
[طه: 13]
وهي محبة الله ـ تعالى ـ ترعاك وتكلؤك. قال ـ تعالى ـ: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: 39] .
وهو اصطفاء الله ـ تعالى ـ لك من دون الناس بالرسالة والكلام. قال ـ تعالى ـ: {قَالَ يَا مُوسَى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ} [الأعراف: 144] .
ما أعظم هذه القدرة التي تحيط بك ياموسى! وما أعظم هذا التكريم الذي فزت به من بين خلق الله، اختيار واصطفاء، ومحبة وكلام، ونصر وتأييد، وعلو وتمكين، كل ذلك يأتي بعد ذلك العناء الذي لا قيته في أول حياتك، ما عقلت منها وما لم تعقل، والأعمال بالخواتيم.
ولقد حُرِم أهل الابتداع من الإيمان بهذه الصفات الإلهية ـ المحبة والكلام والرؤية والسماع ـ التي امتنَّ الله بها على عبده موسى ـ عليه السلام ـ وغيرها من الصفات الأخرى، التي ُتشِعر برحمة الله ـ تعالى ـ من خلالها، وبعزته وحكمته، وعلمه وسمعه وبصره، وقدرته ومشيئته، وإحاطته بكل شيء، وهيمنته وجبروته، وعلّوه واستوائه على عرشه، وأنه بائن من خلقه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير؛ وذلك لفساد المدرسة التي نشأوا عليها، مدرسة الزيغ والإلحاد، والتحريف والتأويل، والتعطيل والتشبيه، والتجسيم والحلول.
وصدق الله ـ تعالى ـ القائل: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .
[الأعراف: 180]
14 ـ مطالب موسى ـ عليه السلام ـ من ربه:
ولما علم موسى ـ عليه السلام ـ بتكليف الله ـ تعالى ـ له بالرسالة، لم يتردد في حملها، لكنه تذكر شيئاً من ماضيه مع فرعون وقومه، إنه عاش أول حياته في قصر فرعون، ورأى من طغيانه وجبروته الشيء الكثير، ومع ذلك حفظه الله من بأسه وبطشه، وهو في حالة ضعف وغربة، وطلب موسى من الله ـ تعالى ـ مطالب تُحققُ له، لكي يستطيع أن يقوم بأداء ما كُلِّف به خير قيام، بعضها معنوي، وبعضها حسي، ومن تلك المطالب ما ذكره الله ـ تعالى ـ في قوله ـ تعالى ـ: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَرُونَ أَخِي} .
[طه: 25 - 30]
وقال ـ تعالى ـ: {وَأَخِي هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ} [القصص: 34] .
وقد استجاب الله ـ تعالى ـ لعبده موسى ما طلب، قال ـ تعالى ـ: {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى} [طه: 36] .
وقال ـ تعالى ـ: {قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ} [القصص: 35] .
إنّ هذه الإجابات من الله ـ تعالى ـ لعبده موسى تحمل في طياتها الرحمة والنصرة والغلبة على العدو؛ نصرة من الله ـ تعالى ـ لموسى وهارون على عدوهما فلا يصل إليهما، ونصرة من هارون لأخيه موسى ـ عليهما السلام ـ تتمثل في شد أزره وعضده، وفي الفصاحة والبيان، وفي الأنس من وحشة الطريق، وكل هذا رحمة من الله ـ تعالى ـ كما قال ـ سبحانه ـ: {وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا} [مريم: 53] .
يقول سيد قطب ـ رحمه الله ـ تعالى ـ: (لقد طلب إلى ربه أن يشرح له صدره... وانشراح الصدر يُحوِّل مشقة التكليف إلى متعة، ويحيل عناءه لذة، ويجعله دافعاً للحياة لا عبثاً يثقل خطى الحياة.
وطلب إلى ربه أن ييسر له أمره... وتيسير الله للعباد هو ضمان النجاح. وإلا فماذا يملك الإنسان بدون هذا التيسير؟ ماذا يملك وقواه محدودة، وعلمه قاصر، والطريق طويل وشائك ومجهول؟!
وطلب إلى ربه أن يحل عقدة لسانه فيفقهوا قوله... وقد روي أنه كانت بلسانه حبسة، والأرجح أن هذا هو الذي عناه. ويؤيده ما ورد في سورة أخرى من قوله: {وَأَخِي هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا} [القصص: 34] .
وقد دعا ربه في أول الأمر دعاءً شاملاً بشرح الصدر وتيسير الأمر، ثم أخذ يحدد ويفصل بعض ما يعينه على أمره وييسر له تمامه.
وطلب أن يعينه الله بمعين من أهله؛ هارون أخيه. فهو يعلم عنه فصاحة اللسان، وثبات الجنان، وهدوء الأعصاب...