وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أكل الطيب من الحلال من أسباب دخول الجنة، فقال:"من أكل طيباً وعمل في سنة"، عبادة على أساس من الدليل الصحيح وليس من البدع،"من أكل طيباً وعمل في سنة وأمن الناس بوائقه دخل الجنة"، جوامع من الكلم، لا إله إلا الله وسبحان الذي آتاه هذه الجوامع، من أكل طيباً وعمل في سنة وأمن الناس بوائقه دخل الجنة، وكذلك فإن الصحابة الذين تعلموا هذه الآيات والأحاديث عملوا بذلك في واقعهم، فلما قدم
عبد الرحمن بن عوف المدينة، فآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، وكان سعد ذا غناً، فقال لعبد الرحمن: أقاسمك مالي نصفين وأزوجك. قال: بارك الله لك في أهلك ومالك. دلوني على السوق فما رجع حتى أستفضل أقطاً وسمناً فأتى به أهل منزلة، فمكثنا يسيراً أو ما شاء الله، فجاء وعليه وضر من صفرة، أثر من صفرة زعفران تدل على أنه قد أحتك أو لامس امرأة، لأن الزعفران من طيب النساء. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"مه يم. فقال: يا رسول الله تزوجت امرأة من الأنصار، سبحان الله قد جاء لتوه من مكة طريداً فقيراً ورفض المعونات المالية، مع أنها من أخيه في الله، وآثر أن يعمل فما لبث أن كسب قوتاً لنفسه ثم كسب ما يتزوج به، ومهراً أتم زواجه. قال: يا رسول الله تزوجت امرأة من الأنصار. قال: ما سوقت إليها؟. قال: نواة من ذهب. أو وزن نواة من ذهب، قال: أولم ولو بشاة."
فأشتغل الصحابة على عهد النبي عليه الصلاة والسلام بالتجارة، والتكسب، والزراعة، والصناعة، وباشروا ذلك بأنفسهم، وكان ذلك من فتح الله عليهم، وكان من البركة التي أتاهم الله إياها، واستغنوا عن سؤال الناس، ولم يقل المهاجرون إخواننا يتكفلون بنا ورموا بأثقالهم على إخوانهم أبداً، قاموا يعملون من أستطاع منه العمل والتدبير عمل، وقال ابن عمر وابن مسعود: إني لأكره أن أرى رجلاً سبهللاً فارغاً لا في عمل الدنيا ولا في الآخرة. وقال عمر: لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق، ويقول: اللهم أرزقني فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة. وقال أيضاً: مكسبه فيها بعض الدناءة خير من مسألة الناس، ولعله يشير إلى الحجامة ونحوها،، وقال أبو سليمان الداراني: ليس العبادة عندنا أن تصف قدميك وغيرك يتعب لك، ولكن أبدأ برغيفك فأحرزه ثم تعبد. قال ابن الجوزي: الأولى للعالم أن يجتهد في طلب الغناء وفي الكسب وإن ضاع بذلك زمان فإن يصون بعرضه، والعرض هو المال المتخذ عرضه، أي: عن الناس.
وكان سعيد بن المسيب يتجر في الزيت وخلف مالاً، وخلف سفيان الثوري مالاً وقال: لولاك، يخاطب المال، لتمنذلوا بي. أي: لكنت على أبوابهم، وهذا فيه حث للأهل العلم على الاستغناء عن الناس فضلاً عن غيرهم، وكان بعض العلماء ينسخ الكتب والمصاحف بالأجرة، يقول مالك ابن دينار: دخل علي جابر بن زيد وأنا أكتب، فقال: يا مالك ما لك عمل إلا هذا تنقل كتاب الله؟، قال: هذا والله الكسب الحلال، وقال جعفر بن سليمان: كان مالك بن دينار ينسخ المصحف في أربعة أشهر فيدع أجرته عند البقال فيأكله، وهكذا يأخذ من عند البقال تدريجياً ويعطيه مقدماً حتى يستوفي ماله الذي أودعه عنده، كان بعض العلماء يتاجر ما بين رمضان إلى الحج ويطلب العلم بقية السنة، وطلب الرزق والعبادة من مرضاة الله تعالى، { وأبتغي فيما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنسى نصيبك من الدنيا } ، أستعمل بما وهبك الله من هذا المال في طاعة ربك، وتقرب بالقربات من الصدقة، والإحسان، والصلة، والهبة، ونحو ذلك،، مما يمكن أن تفعله بمالك من الأمور العبادية، التي يتقرب بها الإنسان إلى الله.
عباد الله، فلا تعارض إذن بين الاكتساب، والعمل، صناعة، تجارة، زراعة، ونحو ذلك،، وبين الشريعة، والعبادة، والصحابة، فتحوا البلدان وهم يعملون ويكسبون، وكان من أكسابهم العظيمة، الغنائم في سبيل الله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"وجعل رزقي تحت ظل رمح"ولذلك،، قال العلماء: أحل الحلال في الأرض الغنائم في سبيل الله، قال عزوجل: { كلوا مما غنمتم حلالاً طيباً } .