فهرس الكتاب

الصفحة 4608 من 9994

عباد الله، لقد تحمل بعضهم الجوع من أجل العلم ولم يكونوا يريدون دائماً أن يكتمل ما عندهم من المال اللازم لكل شيء، ولهذا تحمل أبو هريرة الجوع ولم يصفق بالأسواق لأجل الحفظ فبارك الله له، وقال: إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم وكنت أمراء مسكيناً من مساكين الصفة، أحضر ما لا يحضرون، وأحفظ ما لا يحفظون، نعم،، إن قيام بيت المال بتفريغ بعض أهل العلم من النبغاء لأجل هذا أمر طيب، فإذا حصل لا يكون لأحد عليهم منة لأن العطية من بيت المال لهؤلاء ليست مذلة، ولكن إذا لم يحصل لهم مصرف مثل هذا فإنهم يقومون يكتسبون، وهل يمكن أن يمارس الإنسان عملاً أخروي من داخل العمل الدنيوي؟، الجواب: لا شك ولا ريب، بينما رجل بفلاة من الأرض سمع صوتاً في سحابة أسقي حديقة فلان! فتنحى ذلك السحاب، إنه أمر صدر إليه ملك أمر السحابة أسقي حديقة فلان!، فتنحى ذلك السحاب، توجه فأفرغ ماءه في حرة أرض صلبة، فإذا شرجت من تلك الشراج مسايل الماء قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقته، لقد أنساق الماء بأمر الله إلى مسار معين إلى أرض معينة وبستان معين، فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته، فقال له أي الذي سمع الصوت من السحابة: يا عبد الله ما اسمك؟ فمن السنة إذا لم يعرف الإنسان أسم رجل وأراد أن يناديه أن يقول له: يا عبد الله، فكل الناس عبيد لله. ما أسمك؟ قال: فلان، للاسم الذي سمع في السحابة، فطابق الاسم الذي أخبر به الرجل ذلك الاسم الذي سمعه في السحابة، فقال له: يا عبد الله، أي الآخر صاحب البستان لما تسألني عن أسمي؟، فقال: إن سمعت صوتاً في السحاب الذي هذا ماءه يقول: أسقي حديقة فلان لأسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أما إذا قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثاً وأرد فيها ثلثه. رواه مسلم.

فإذن ثلث لعياله، وثلث للصدقة، وثلث للنفقات لكي تزرع مرة أخرى.

عباد الله، إن الإيمان بحقارة الدنيا وتفاهتها وأنها ملعونة لا يعني عدم العمل، ولكن معناها عدم التعلق بالدنيا، إن الأوامر بالزهد في الدنيا لا تعني عدم العمل والتكسب، ولكنها تعني أن لا يتعلق القلب ويكون نهوماً مقبلاً على الدنيا، تارك لأمور الآخرة فهو يغتم إذا نقص المال ويفرح إذا زاد فيطغى أن راءه استغنى، متى يكون الرجل زاهداً وعنده مائة ألف؟، سئل أحمد رحمه الله، قال: نعم يكون زاهداً وعنده مائة ألف، بشرط أن لا يفرح إذا زادت ولا يحزن إذا نقصت، لكن من هو الذي يقدر على ذلك،، وعندما تصبح الأموال عندك بمثابة بيت الخلاء لا بد منه لقضاء الحاجة، ولكن النفس لا تعشق وتهيم وتتعلق بهذا مكان النجاسات، فعندما يكون القلب محرراً لله غير عبد للدينار والدرهم، فلا يضره بعد ذلك أن يتكسب وتزيد أمواله، { رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة } ، عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه رأى قوماً من أهل السوق نودي للصلاة المكتوبة فتركوا بيعهم فوراً ونهضوا، فقال: عبد الله هؤلاء من الذين ذكر الله في كتابه، { رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله } ، وهكذا،، قال ابن عمر لما كان في السوق فأقيمت الصلاة فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد، قال فيهم: نزلت وذكر الآية.

ونظر سالم بن عبد الله إلى أمتعة أصحاب البسطات قد غطوها ليس معها أحد وقت الصلاة لأنهم في المساجد، قال: { رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة } ، هم هؤلاء. وقال بعض السلف: كانوا يبيعون ويشترون ولكن كان أحدهم إذا سمع النداء وميزانه في يديه خفضه وأقبل إلى الصلاة، وهكذا،، تصبح القناعة في قلوب هؤلاء مانعة من التفرغ التام في الدنيا وإهمال الآخرة، لأنه لا بد من تعديل الكفة في الجانب الآخرة فإن بعض الناس دائماً يدعوا إلى العمل، والتجارة، والصناعة، والزراعة، والتكسب، ويقول: الدين حث، والدين حث، ولكنه لا يحث في الجانب المقابل على الزهد في الدنيا، وعلى القناعة، وعلى الصدقات، وعلى أن يكون هم الإنسان الآخرة أكثر من الدنيا، وعلى اتقاء المحرمات في البيوع، وعلى إخراج حقوق الله في الأموال، وعلى الالتزام بالأحكام الشرعية في الكسب والنفقة، وعلى حسن القصد والنية الطيبة، وهكذا،، ولذلك فتأتي كثير من الكلمات في هذا المجال ناقصة فيحثون على العمل ولا يتكلمون في المقابل عن هذه المفهومات الشرعية العظيمة.

عباد الله، إن الكسب الحلال طرقه كثيرة فجاء في الشريعة ذكر الزراعة، لا يغرس المسلم غرساً فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طير إلا كان له صدقة يوم القيامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت