فهرس الكتاب

الصفحة 8549 من 9994

كان الفتى يتَّقِدُ نشاطاً وحماساً، ويمضي وقتهُ دعوةً وجهاداً، وفي فترةٍ من الفتراتِ تغيرَ الحالُ فلم يعدِ الفتى هو الفتى، لقد تركَ الفتى حياةَ المُستمعِ ليعيشَ في المستنقعِ، وهجرَ النورُ والهدى ليؤثرَ الظلماتِ والردى .

لقد بدأت معالمُ التغيرِ حينما هجرَ الفتى مجالسُ الأخيارِ، وأكثرَ من الاعتذار، مختلقاً الواهي من الأعذار، افتقدهُ إخوانُهُ، وابتعد عنهُ أقرانهُ ليبدأَ مرحلةً أخرى من التغيرِ ألا وهي التغيرات المظهرية .

زالَ من الوجهِ ضياؤه، فخُففتِ الشعراتُ المهيبة ، وبدأ الاهتمامُ المفرط بالمظهر ، والثوبُ طال ، ولبسُ العقال، وما هو واللهِ بحرامٍ ولا مكروه، ولكن لبسهُ إعلاناً منهُ بتغيرِ حاله 0

وتغيرِ الظاهرِ نذيرٌ بخرابِ الباطن، فقسا القلبُ، وهجرَ كتابَ الله ، والصلواتُ بدأت تفوتُ وتُقضى، واستحلَّ ما كان حراماً من نظرٍ للقنوات، واستماعٍ للمُحرمات، وسهرٍ في الاستراحاتِ، لقد استبدلَ الفتى حياةَ الذلِّ بالعز ، وتركَ حياةَ النعيمِ والاستقرارِ مع الصالحينَ والأخيار، ليقترنَ بالعارِ مع الطالحينَ والأشرار .

إنَّها الضلالةُ بعد الهدى، والحورُ بعد الكور، إنَّها الانتكاسةُ والسقوطُ على الطريق

إنَّها ظاهرةٌ تبعثُ على القلقِ، وتدعو المسلمُ الجاد أن لا يقفَ موقفَ الحيادِ تجاهها، فخسارةُ فردٍ من أبناءِ الأمةِ بعد أنَّ هداهُ اللهُ وأنقذهُ لايمكنُ أن يرضى به مسلم .

إنَّها ظاهرةٌ مؤلمةٌ لأنَّها تمثلُ تآكلاً من الداخل، وفي وقتٍ ومرحلةٍ الأمةُ فيها أحوجَ ما تكونُ إلى تنامي هذا التيارِ المبارك .

إنَّها تمثلُ إهداراً لجهودٍ خيِّرةٍ من الشبابِ والدعاةِ في الدعوةِ والتربية ، إنَّ الانتكاسَ عن الهدى جُرمٌ عظيم، لأنَّ المنتكسَ بفعلهِ هذا يشوِّهُ الحقَّ الذي تنكرَ له، ويشككُ بالدعوةِ التي نكصَ منها، كما أنَّهُ يشمتُ الأعداءَ، ويغري الأشقياءَ، ويضعفُ القولَ ويخلخلُ الصف .

لقد شنَّع كتابُ اللهِ على المتساقطينَ الزائغين بعد الهداية، فأعلنَ خسارتهم، (( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ) ).

وبيّنَ أنَّ ذلك من تزيينِ الشيطانِ (( إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ) ).

ودعا عليهم رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- حينما قال: (( إنِّي على الحوضِ حتى أنظرَ من يردُ عليَّ منكم، وسيؤخذُ أناسٌ دوني، فأقول:يا رب منِّي ومن أمتي ، فيقالُ، أما شعرتَ ما عملوا بعدك ، والله مابرحوا بعدكَ يرجعونَ على أعقابهم، فأقولُ سحقاً سحقاً، لمن بدَّلَ بعدي ) ).

فكان ابن أبي مليكة يقول: اللهمَّ إنَّا نعوذُ بك أن نرجعَ على أعقابنا أو أن نُفتنَ عن ديننا .

إنَّ المنتكسَ يعارضُ بفعلهِ قولَ الله (( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ) )، ويدعو بسلوكهِ وانتكاسهِ إلى حياةٍ الضلالِ والشقاء .

إنَّ الانتكاسَ قدحَ في الشريعةِ ونورها وضيائها، وتشكيكٌ في الاستقامةِ وآثارها .

إننا بحاجةٍ إلى مثلِ هذا الحديثِ، لأنَّ من شبابنا الصالحينَ من يشعرُ إنَّه اجتاز القنطرةَ، ووصل إلى برِ الأمانِ، فأمنَ من الضلالةِ ومن الحورِ بعد الكور، وهي أولُ أمارةٍ على ضعفِ الإيمانِ والغرورِ والعجب .

لقد أخبرَ سُبحانهُ أن نبيَّهُ - صلى الله عليه وسلم- يحتاجُ إلى توفيقهِ وتثبيته، (( وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً ) ).

وفي آيةٍ أُخرى (( وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ ) ).

ويوسفُ- عليه السلام- وهو القدوةُ في العفةِ والنزاهةِ والتسامي، يستعينُ بربهِ ليحميهِ من مواقعةِ الفاحشةِ، متبرئاً من كلِّ حولٍ وقوة (( وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ ) ).

وإنَّ القلوبَ بيدِ الله سُبحانهُ وتعالى ففي الحديثِ (( ما من قلبٍ إلاَّ بين أصبعينِ من أصابعِ ربِّ العالمين، إن شاءَ أن يقيمهُ أقامه، وإن شاءَ أن يزيغهُ أزاغه ) ).

وكان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يدعو ربَّهُ قائلاً: (( يا مثبتَ القلوبِ ثبت قلوبنا على دينك ) )0

إنَّ المنتكسَ أيُّها المسلمون إنَّما يجني على نفسه، وما ربُّكَ بظلامٍ للعبيد (( وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) ).

وزيغَ الإنسانِ سببٌ لأن يزيغ اللهُ قلبه (( فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) ).

وانصرافهِ عن الهُدى سببٌ لصرفِ قلبهِ (( ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون ) ).

والمتكبرون عن آياتِ اللهِ، والمعرضُون عن الحقِّ بعد أنَّ رأوهُ واضحاً، يصرفهم اللهُ عن الانتفاعِ بها، (( سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) )، والقلبُ إنَّما يطبعُ اللهُ عليه لتراكمِ الذنوبِ على صاحبه، (( كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم ) ).

واتباعُ الهوى، والإخلادُ إلى الأرضِ سببٌ لحرمانِ العبدِ طريقَ الفلاح، (( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا ) )

الانتكاسُ يا مسلمونَ طريقٌ شائك يسلُكُهُ الإنسانُ بنفسهِ وإرادتهِ ،لأنَّ اللهَ لايظلمُ أحداً، وقد هدانا النجدين، وألهمَ نفُوسنا فجُورَها وتقواها، الانتكاسُ طريقٌ مُظلم، يسلُكُهُ الإنسانُ حينما يضعفُ إيمانهُ، فالإيمانُ حصنٌ عن كلِّ شهوةٍ وشبهة، وإذا خالطت بشاشتهُ القلوبَ ولّد أمةً ثابتةً لا تهزُّها الخطوب، ولا تُزلزِلها الشهواتُ والشبهات، ومتى ذاقَ العبدُ حلاوةَ الإيمانِ ثبتت قدمهُ في روضةِ الاستقامة .

قد يتوبُ شابٌ إلى اللهِ، ويسلكُ طريقَ الاستقامةِ والخير، لكنَّ الإيمانَ لم يدخل قلبه، فتعترضُهُ شهوةٌ أو شُبهةٌ، فيهوي أمامها، وينكِصُ على عقبيه، نسألُ اللهَ العافية 0

وحين نتأملُ في واقعنا نجدُ صوراً عدة، تعكسُ وجودَ هذا الداءَ في أنفسنا، ومنها قسوةَ القلبِ، والبعدَ عن الله، والجرأةَ على معاصيه، والتكاسلُ عن طاعتهِ وغيرها كثير، ومما قد نبتلى به أن لا نُدرِكَ ذلك في أنفسنا .

والانتكاسُ يا عبادَ اللهِ ثَمرٌ لضعفِ العلمِ الشرعي، الذي يصحِحُ للإنسانِ عبادتهُ وتوجههُ للهِ وحده، فالتوجه للعلمِ الشرعي، والعناية به، يملأُ على المرءِ همَّهُ ووقته، فلا ينصرفُ ذهنهُ وتفكيرهُ إلى الشهواتِ والمعاصي، ولا يجدُ فراغاً في وقتهِ يُمكنُ أن يدفعهُ إلى الإثم .

والانتكاسُ أيُّها المسلمونَ . حصادٌ مُرٌّ للاستهانةِ بالذنوبِ والمعاصي 0

كما قال ابنُ رجب: وقريبٌ من هذا أن يعملَ الإنسانُ ذنباً يحتقرهُ ويستهينُ به، فيكونُ هو سببُ هلاكهِ.

كما قال تعالى: (( وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ ) )قال- صلى الله عليم وسلم-: (( إياكم ومحقرات الذنوب فإنَّهنَّ يجتمعن على الرجل حتى يهلكنهُ ) ).

وإنَّ محقرات الذنوب متى يؤخذُ بها صاحبها تهلكه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت