إنَّ الاستهانةَ بالمعاصي، واحتقارَ الذنوبِ يُولدُ آثاراً سيئةً، ونتائجَ وخيمة، فهي مدعاةٌ لزيادةِ الإثمِ والسيئةِ عندَ الله، وهي مما يبعدُ عن طريقِ التوبةِ، وكم من مستقيمٍ انتكس، وكانت الخطوةُ الأولى الإطراقُ على الأطباقِ الهابطةِ ولو بحجةِ الأخبار
والاستهانةُ بالذنوبِ تدعو الشابِ إلى عدمِ النفرةِ من أهلها، ويدعوهُ ذلك إلى التهاونِ في صحبتهم، وفي مُجالستهم، وهذا وحدهُ من أعظمِ أسبابِ الانحراف 0
أيُّها المسلمون:
والغرورُ والإعجابُ بالنفسِ سببٌ رئيسِ للضلالةِ بعد الُهدى، فالمرءُ حينَ يشعرُ بالكمالِ، لا يرى أنَّ لهُ حاجةً في مزيدٍ من طُرقِ الخيرِ والعملِ الصالح، وحينما يعجبُ المرءُ بعملهِ، ويُدلِ به على اللهِ، فإنَّ هذا عنوانُ انسلاخهِ من عبوديةِ مولاهُ سبحانه ،والغرورُ سببٌ لأن يزولَ من القلبِ خوفُ سوءِ الخاتمة، والخشيةُ من الضلالةِ بعد الهُدى ، والأمانُ من ذلكَ أولَ الخطواتِ نحو الوقوعِ فيه، والإعجابُ بالنفسِ سببٌ لانشغالِ المرءِ بعيوبِ الآخرينَ وذمهم، ومن عيَّرَ أخاهُ بذنبٍ لم يمت حتى يفعلهُ 0
والانتكاسُ صدى للتربيةِ الضعيفةِ، فحينَ يستقيمُ الشابُ على طاعةِ اللهِ فإنَّهُ يُخلِفُ وراءهُ واقعاً يحملُ رُكاماً هائلاً من التصوراتِ والمفاهيمِ والسلوكياتِ الشاذة ، وإزالةِ هذا الركامِ لا يمكنُ أن تتمَ بمجردِ توبةِ الشابِ وإقلاعهِ عن ماضيهِ السيء فقط، بل هي تحتاجُ إلى جهدٍ تربوي، يمحو كلَّ ما رانَ على الفطرةِ السليمة، وهو يحتاجُ إلى التربيةِ العميقةِ، لتتأصلَ في نفسهِ معاني الإيمانِ حقاً، وليقتبسَ من العلمِ الشرعي ما ينيرُ لهُ الطريقُ، ويضيءُ لهُ المحجةَ،
لقد قررت غزوةُ حُنينٍ بوضوحٍ وجلاء، أثرَ التربيةِ في ثباتِ القلوبِ يومَ الشدائدِ والمحن، فقد كانَ المسلمونَ في حُنين أكثرُ عدداً منهم في أيِّ موقعةٍ أخرى، ومع ذلكَ لم تنفعهم الكثرةَ شيئاً، بسببِ تلك الجماهيرِ التي لم يتمكنِ الإيمانُ في نفوسها، ولم يتغلغل معنى الإسلام بعد في أعماقِ أفئدتها، فلا بُدَّ من تربيةِ الشبابِ على الإيمانِ باللهِ وتزكيةِ النفسِ، وتعميقِ الخوفِ من اللهِ تعالى، ولابُدَّ من تربيةِ الشبابِ المسلمِ على الجديةِ، عبادةً وعلماً وسلوكاً، لا أن يتربوا على الإغراقِ في المباحاتِ، وإشغالِ أوقاتهم بكثرةِ المزاحِ والملهيات.
أيُّها المسلمون:
ويقعُ الانتكاسُ حينما تستحكمُ الشهوات، وتتبدَّى الغرائزُ أمامَ الشبابِ وتُحاصِرُهم، وتحيطُهم بشِراكها ، ومشكلةُ الشَهوةِ تبدأُ من خلالِ نظرةٍ آثمة، أو فكرةٍ طائشة، ثُمَّ تتحولُ إلى طوفانٍ هائج، وبركانٍ ثائر، يوشكُ أن يهوي بصاحبهِ
ويحدثُ الانتكاسُ حينما يعيشُ الشابُ على التربيةِ الجماعيةِ وحدها، دُونَ أن يعتني بنفسهِ أو يبذلَ جُهداً لإصلاحِها، فهو مع ما يحملُ من ثغراتٍ كبيرةٍ في شخصيتهِ، مايلبثُ أن يفقدَ أصحابهُ يوماً، فيسافرُ أو يُسافرون، ويغيبُ عنهم أو يغيبونَ عنه، فيرى نفسهُ أمامَ عالمٍ لم يعتد عليه ، فلم يعتد أن يبقى فارغاً، ولم يتربَّ على اغتنامِ وقتهِ والاستفادةِ منه، فرُبَما سيطرَ على نفسهِ وحفظَ وقته ، ورُبما بحثَ عن أنسِهِ في صحبةِ قريبٍ أو جار، أو جلسَ أمامَ الشاشةِ، أو خرجَ إلى السوقِ، وقد تكونُ هذهِ الخياراتُ بدايةً لدخولهِ متاهةَ الانحرافِ، وبوابةً إلى عالمِ الانتكاس ، وإنَّ هذا يدفعنا إلى توجيهِ الحاملينَ أمانةَ هذا النشءِ بأن يغرسوا فيهم الحرصَ على تربيةِ أنفسهم، وأخذِها بزمامِ الطاعةِ والتقوى، وتنميةِ الشعورِ بالمسؤوليةِ الفرديةِ لديهم 0
يا عباد الله:
ويأتي الغلوُّ والتشددُ والإثقالُ على النفسِ، بما لا تُطيقُ من الأعمالِ، خاصةً ممن كانَ لهم تاريخٌ سيءٌ في الانحراف، يأتي سبباً في الحورِ بعد الكور، وإنَّ هذا الدينُ متين، فأوغلوا فيهِ برفق، ويقابلهُ التفريطُ والإهمالُ وأتباعهُ في عصرنا كثير، والمنحرفون بسببهِ جَمٌ غفير، يبدأ المقصرُ بالتهاونِ بأداءِ السننِ والمستحبات، وعدمِ المبالاةِ بالمكروهاتِ، وعدمِ التورعِ عن حمى الشُبهاتِ، ثُمَّ يقودُهُ مرضهُ للإخلالِ بالفرائضِ والواجبات، والوقوعِ بالمحرمات، فإذا صعُبَ عليه مفارقةُ الممنوعات، قال لهُ شيطانُهُ: كيف تُصاحبُ الصالحينَ وأنتَ تعملُ بأعمالِ الطالحين، فيزين إليهِ تركهم، والبعدَ عنهم ،أو يقولُ لهُ: إنَّكَ لن تجدَ لذةً لهذهِ الشهواتِ إلاَّ بالبعدِ عن تلكَ الصداقات، التي لا تأمُرُكَ إلاَّ بما تكرههُ نفسك، فيُحبب إليهِ جفاءَهم والإعراضَ عنهم 0
وللانتكاسِ أسبابٌ أخر، فالأصحابُ من جيرانٍ وأقاربٍ وأقران، والغثائيةِ ،وضعفِ الاقتناعِ، وضعفِ الجديَّةِ، والشخصيةِ الضعيفةِ والمتقلبةِ، ورواسبُ الماضي، وضغوطَ البيئةِ والأسرةِ، والآفاتِ القلبية، وكثرةِ الابتلاءاتِ والمحن ، وعدمِ تحملِ تكاليفَ وأعباءَ الاستقامة، كلَّها أسبابٌ تقودُ إلى هاويةِ الانتكاس .
وإنَّ معرفةَ الأسبابِ، وتشخيصَ الداءِ، خطوةٌ أولى، ومهمةٌ في العلاجِ بعدَ أن يستعينَ العبدُ بربهِ، ويتوجهُ إليهِ وحدهُ بالدعاءِ والرجاء، والاستعانةِ والبراءةِ من كلِّ حولٍ أو قوة ، ومن اهتدى فلنفسهِ ومن ضلَّ فإنَّما يَضلُّ عليها ، ومن أرادَ الخيرَ وسعى لهُ وفقهُ اللهُ وسدده، ومن ظنَّ أنَّهُ يُخادعُ اللهَ فإنَّما يُخادِعُ نفسهُ وهُو لا يشعر، ومن استكثرَ على ربهِ استقامةً وصلاحاً ، فليعلم أنَّ للهِ عباداً مُكرمِين، يسبِحونَ الليلَ والنهارَ لا يفتُرون، ولا يعصُون اللهَ ما أمَرَهُم ويفعلونَ مايُؤمرون0
ربنا لا تُزغ قُلوبنا بعد إذ هديتنا 0
الخطبة الثانية
أما بعد:
إذا أدركنا يامُسلمون خطورةَ الانتكاسِ، وعلمنا أسبابهُ، والطرقَ الموقعةِ فيه، والمسالكَ الموصلةِ إليه، وإذا عرفنا كيفَ كانَ السلفُ أهلُ الإيمانِ والتقوى، وأربابُ الصلاحِ والخشيةِ، كيفَ كان أولئكَ يَخافُونَ من سُوءِ الخاتمةِ، ويسألونَ اللهَ الثباتَ على هذا الدين.
بعد ذلكَ كلهِ أقولُ لنفسي ولك يا أخي ، إنَّ هذه الهدايةِ والتوفيقِ، لسلوكِ الطريقِ المستقيمِ، والسيرِ في ركابِ الصالحين، والتجافي عن طريقِ الضالين ، إنَّ ذلكَ كلَّهُ ليسَ بجهدنا ولا ذكائنا وحرصنا، بل هُو أولاً وأخيراً نعمةً من اللهِ سُبحانه، تستوجبُ الشكرُ والاعترافُ بالفضلِ للهِ وحده، وتستحقُ المحافظةَ عليها، والعنايةَ بها، وهي منةٌ من الله ، واللهُ يختصُّ برحمتهِ من يشاء .
أخي رعاك الله:
إنَّ نعمةَ الهدايةِ أغلى ما يملكهُ المرءُ، وأتَمُّ وأكملُ نعمةٍ يمنُّ بها اللهُ عليه، والاستقامةُ تاجٌ على رؤوسِ الصالحين، لا يراهُ إلاَّ المنحرفون ، فهل نُدركُ عظمَ مسؤوليتنا في الحفاظِ على هذهِ النعمة، والسعي للثباتِ على هذا الصراطِ المستقيم ،
وحين نرى أولئكَ الذين ركبُوا طريقَ الغوايةِ، وضلُّوا سواءَ السبيل، نُدرِكُ خُطورةَ هذا المسلك، ويضعُ المرءُ يدهُ على قلبهِ، سائلاً اللهَ الثباتَ والهداية، ورحمَ اللهُ ابن القيم إذ يقولُ.
واجعل لقبك مُقلتين كلاهما بالحقِّ في ذا الحلق ناظرتان
فانظر بعينِ الحكمِ وارحمهم بها إذ لا تردُ مشيئةُ الديَّان
ونظر بعينِ الأمرِ واحملهم على أحكامهِ فهما إذاً نظرانِ
واجعل لوجهك مقلتين كلاهما من خشيةِ الرحمن باكيتان
لو شاءَ ربُك كنت أيضاً مثلهم فالقلبُ بين أصابعِ الرحمنِ