فهرس الكتاب

الصفحة 8568 من 9994

أيُّها الأحبةُ في الله: وليس بخافٍ على كلِّ ذي لب، الآثارَ الخطيرةِ التي عانت ولا تزالُ تُعاني منها تلك البلاد، التي فتحت أبوَابها أمام السياحةِ الأجنبية، والتي تتخلص أولاً:

بسقوطِ حاجزَ النُفرةِ مع الأعداء، وذوبانِ عقيدةَ الولاءِ والبراء، فالكفارُ المُحارِبُون، والمُشرِكُون الوثنيون، أصبحوا يُشاطِرُون أبناءَ التوحيدِ مساكنهم، ويُقاسِمُونَهم لقمةَ عيشهم، ويلهُو صِبيَانَهم جميعاً فوقَ أرجوحةٍ واحدة، فهل بقيَ للدينِ بقيةً بعد سُقُوطِ هذا الأصلِ الأصيل، والركنِ الركين ؟؟

أليسَ اللهُ تعالى يقول: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ ) ) (سورة الممتحنة:1) .

فماذا بقيَ من الولايةِ والمودة ؟!! لم نُؤثِرُهم بها، وقد شَاطَرونا كِسرةَ الخُبزِ وشربةَ الماء، واختلطت أنفَاسُنا بأنفاسِهم، واصطكَّت أكتافُنا بأكتافِهم في شَوارِعنا وأسواقِنَا، بل أيُّ سياجٍ سيبقى لحمى التوحيدِ، وصفاءَ العقيدةِ، ومللَ الكُفرِ، تحيطُ بأبناءِ المُسلمينَ من كلِّ جانب، فهذهِ صُلبانٌ تلمع، وتلكَ نواقيسُ تُضرب، وهاتِيكَ أبواقٌ تُنفخ، أيُّ توحيدٍ سيبقى وجيوشٌ من المُنصرِين ستزحفُ تحتَ غطاءِ تبادلِ الثقافات، وتعارفِ الشُعوبِ، واستكشافِ المجهُولِ، وهي تحملُ الأناجيلَ، ونشراتِ التبشيرِ والتخدير، والإلحادِ والكُفر، لتُغرِقَ بها بيوتَ المُسلمين، حقائِبُهم وجيوبهم ؟!!

أما ثانيا: فلا تسل عن الانحدارِ الأخلاقي الذي آل ويؤولُ إليه أبناءُ الأمة، وقد وفدَ إلى بلادِهم أُناسٌ يَحمِلونَ كلَّ شيءٍ إلاَّ الفضيلة، ويتحلونَ بكلِّ شيءٍ إلاَّ العفة، ويمتازُونَ بكلِّ شيءٍ إلاَّ بالخلقِ النظيف، كم هن البغايا اللاتي سيفدنَ إلى ديارِ الإسلامِ باسمِ السِياحةِ واكتشافِ الجديد ؟!! كم هُم حملةُ الأرجاسِ والأنجاس؟ الذين سيَغرِقُون شوارعَ المسلمين بعُريِّهم وتفسُخهم وانحِلالِهم ومجُونِهم؟!!

فليتَ شِعري من أباحَ ذلك وورّطَ الأمةَ في المهالك

أما ثالثا: فدُونكَ حبلُ الأمنِ الممزق،، وجدارُ الحِمايةِ المتصدع، بفعلِ عِصاباتِ الإجرامِ، وشُذُاذِ الآفاقِ، ومُروجِي المخدرات، وقُطَّاعِ الطريق، إلى كلِّ مُروءةٍ وأمانة، فلقد سَهُلت وسائلُ الاتصال، وحريةَ الانتقالِ لأولئكَ المُجرِمين، إنشاءَ عصاباتٍ وشبكاتٍ إجراميةٍ، مُدربةً لتنفثَ سُمُومها، وتُمارِسُ مُجونِها، وتنشرُ أخطارَها وآثارَها في كلِّ مكانٍ بوسائل عدة، ومسمياتٍ شتَّى، أعجبُها وأسخفُها مُسمَّى السياحة !!

أيُّها المسلمون:

وتبقى قضيةً بالغةَ الخُطورَةِ، وهي البعدُ النفسي للسائحِ الأجنبي، فالسائحُ في العُرفِ العالمي، هُو كائنٌ بشريٌّ مُدلل، يَجبُ أن تفرشَ لهُ الأرضَ ورُودَاً ورياحين، وأن تُسخِرَ كلَّ الإمكاناتِ من أجلِ عينيهِ، وإرضاءً لغرورهِ، وإشباعاً لغرائزهِ، وتلبيةً لنزواتِهِ، ويجبُ أن توفرَ لَهُ الحمايةَ الكافيةَ، ليُمارِسَ عربَدَتَهُ وفجوره، فلا غُرو أن تسمعَ عن إنشاءِ الشرطةِ السياحيةِ المناطِ بها السهرَ على حمايتهِ ورعايته، حتى لا يجرؤ إنسانٌ على إيذائهِ، أو تعكيرَ صفوَ مزاجهِ أو حتى مُطالبتهِ باحترامِ حُقوقِ الآخرين، كلُّ ذلكَ من أجلِ بريقٍ دنانيرهُ التي تملأُ جيوبه، ثُمَّ هُو شاعرٌ في قرارةِ نفسهِ أنَّهُ زائرٌ ثمين، مُرحبٌ فيه، مرغُوبٌ في طولِ إقامتهِ، فيُقدِمُ عليك بسُحنتهِ الشقراء، ونظارتِهِ السوداء، وفخذهِ العارية، فلا تسل بعدَ ذلكَ عن حجمِ تجاوزاتِهِ، ومبلغِ انتهاكاتِهِ لحُرمَاتِ الدين وحقوقَ العباد، واستفزازهِ لمشاعرِ كُلِّ حُرٍ غيور.

فيا شديدُ الطولِ والإنعامِ إليكَ نشكُو غُربةَ الإسلام !!

أيُّها المسلمون:

ألا إنَّ من العجائبِ ما يُردِدُهُ أقوامٌ لا خلاقَ لهم، يدعُونَنَا نحنُ المُسلمينَ في هذهِ الجزيرةِ المُباركةِ، جزيرةَ الإسلامِ ومعقلِ التوحيد، إلى اقتفاءِ آثارِ أولئكَ التائهين، وفتحِ المجالِ للسياحةِ الأجنبية، ومنافسةِ العَواصِمِ العالميةِ في استقطابِ أكبرَ قدرٍ مُمكنٍ من العلوجِ النصارى، وشُذَاذِ الآفاقِ بدعوى التنشيطِ الاقتصادي، وتعريفِ العالمِ بآثارِنِا وثقافاتِنِا، دعوةُ بعضِ الفَارِغِينَ إلى مُحاكاةِ الجهلةِ والمُتاجرينَ بالعقائد، في إحياءِ قُبورٍ عفا عليها الزمن، وسدانةِ مشاهدَ طواها النسيان، وإنَّهُ لم يكُن يوماً في تاريخِ الأمةِ أن افتخرَ حُماةُ التوحيدِ وحراسُ العقيدةِ بمشهدٍ من المشاهِدِ، أو مزارٍ من المزاراتِ، فضلاً عن التفكيرِ في تسييرِ زياراتٍ منظمة، إلى كهوفٍ وغيران، وجبالٍ ووديان، أو التزاحُمِ حولَ ديارِ القومِ المُعذَبَين كالآثارِ الثمودية، أو القبورِ الحاتميةِ الطائية.

وحاشا بلادَ التوحيدِ أن تستبدلَ الذي هُو أدنى بالذي هُو خير، فتتخلى عن رِسالتِها الخالدة، ونُورِها الفياض، وإشعُاعِها الباهر، الذي ملأَ الدُنيا ببهائهِ وجماله، وتلهثُ وراءَ دعواتٍ مشبوهة، تُزينُ الباطلَ وتُنمقه، يقودُ لواءِها كُتَّابٌ وصحافيون، أجلَبوا بخيلِهم ورجلِهم دعوةً وكتابة، وصُراخاً وضجيجاً، لتقليدُ الأجنبي في كُلِّ شيءٍ، حتى صدقَ فيهم قول المعصوم r: (( لو دخلوا جُحر ضبٍ لدخلتموه ) ).

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وأيَّا كم بالذكرِ الحكيم، واستغفر الله لي ولكم إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم .

الخطبة الثانية

الحمد لله يُعطي ويمنع, ويخفضُ ويرفع, ويضرُ وينفع, ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأسلمُ على الرحمةِ المهداة, والنعمةِ المُسداة, وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين,

أمَّا بعدُ:

أيُّها الأخوةُ في الله:

يجبُ أن نُدركَ أننا أصحابُ رسالةِ،وأصحابُ عقيدة، وأصحابُ قضية، أصحابُ رسالةٍ يجبُ أن نحمِلها إلى الآفاقِ حتى لا يبقى بيتُ وبرٍ ولا مدرٍ إلاَّ أدخلهُ اللهُ الإسلامَ بعزِّ عزيزٍ أو بذُلِ ذليل، وأصحابُ عقيدةٍ يجبُ أن نرفعَ لوائها في كُلِّ وادٍ وناد، حتى يكونَ الدينُ كُلَّهُ للهِ ولو كَرِه المُشركون، وأصحابُ قضيةٍ يجبُ أن نحيا وأن نعيشَ من أجلها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت