فهرس الكتاب

الصفحة 8490 من 9994

يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه ( 2361) عن النعمان بن بشير رضي الله عنه: (( مثلُ القائمِ على حدودِ اللهِ ، والوقعُ فيها كمثل قومٍ استهموا على سفينةٍِ ، فأصاب بعضُهم أعلاها ويعضُهم أسفلها فكان الذين في أسفلِها إذا استقوا من الماء مّرُوا على من فَوْقَهم ، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذِ من فوقنا إن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً ، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً ) ).

أيها المسلمُ والمسلمةُ

إن من الأسئلةِ المهمة تجاه هذا الحديثِ سؤالاً يقول: هل أنت من حُماة السفينة أو من الخارقين فيها ؟

وقبل أن تُجيب لا بد أن تستيقن انه ليس من طرقٍ ثالثٍ غر هذين الصنفين يتحكم في مصير السفينة ، فأما قيادةُ حُماةِ السفينة حيث تكون سلامةُ المركب ، وإما قيادةُ الخارقين لها حيث يكون الغرق ، ومن هنا فلا مجال للصمت والسلبية في وقت يتحرك فيها الخارقون وينشطون لإفسادها - وإن زعموا الإصلاح أو ظنوا خطئاً أنهم يريدون الإنقاذ ؟

إن المتأمل في أي مجتمع من المجتمعات لا يراه يخرج عن حالاتٍ ثلاث ، فإما أن ينتشر المعروف ويكثر المصلحون ، وإما أن يشيع المنكرُ ويتطاول المبطلون ، وأما أن يكون دُولةً بين الأخيارِ والأشرار، ويَشيع فيه المعروفُ والمنكرُ على حدٍ سواء .

ولكن الشيءَ الذي ينبغي أن يُدرك جيداً، أن ضعفَ الأمر بالمعروف وانحسارَ النهي عن المنكر في مجتمع ما من المجتمعات ذو خطورةٍ بالغةٍ ومضاعفةٍ فليست المشكلةُ في ضعف الأمر والنهي وقلة الخير وضعف الأخيار ، بل فوق ذلك قوةُ المنكر وسيطرةُ الأشرار والنهيُ عن المعروف وغيابُ الأخيار- وحين يبلغ الفسادُ بالمجتمع هذا المبلغ فقل على الفضيلة السلام ، وصلّ صلاةَ الغائب على الأخيار ، إلا أن يتداركهم اللهُ برحمته ، ويبعثَ من يوقظُهم من رقدهم ؟

عبادَ الله وإذا اختلف الناسُ في أسبابِ الفلاح وعواملِ البقاءِ ، وأسبابِ الشفاءِ ، وعواملِ الفناء ، فالحكمُ لله ، والمرجعُ شرعُ الله ، واللهُ يقصُ الحقَّ وهو خيرُ الفاصلين ، ويقول في محكمِ التنزيل (موضحاً أسباب النجاة والهلاك) .

(( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) ) (سورة الأعراف: 96) .

ثم قال في نهاية هذه الآيات (( أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ ) ) (سورة الأعراف: 100) .

ويقول تعالى في سورة أخرى: (( وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً* لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً ) ).

أيها الناس

ومنذُ القدم والناسُ منهم مؤمنون ومؤمناتٌ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر .. ومنافقون ومنافقات يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف وفضلُ الله يؤتيه من يشاء فمنهم مفتاحٌ للخير مغلاق للشر، وآخرون مغاليق للخير مفاتيحُ للشرِ ، يَضَعَفَ إيمانُهم باللهِ ويستبعدون الجزاء في اليوم الآخر فتنتكس فطرُهم ويزعمون أنهم مصلحون وهم مفسدون ، ويحسبون أنهم يُحسنون صُنعاً ، وهم يجنون على أنفسِهم وعلى مجتمعهم شروراً وفتناً ، والمنافقون بلا ريب ممن يَخرق السفينة ويغرقُ أهلها على أننا جين نستقرأ الواقع نجدُ أصنافاً أخرى غيرَ هؤلاء المنافقين يسهمون في خرق السفينة ..ولذا لا بد أن نفتشَ عن مَن يخرقون السفينة ، ونحددَ ملامحهم ونحذر صنيعَهم ومن هؤلاء المُتبعون للشهوات الغارقون في الملذات سواءً صح طريقُها أم لم يصح ، وسواء كانت شهوات مباحةً أو محرمة ، أولئك ينقبون في السفينة ، ولو مالت بأهلها ميلاً عظيماً ، وصدق الله (( وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً ) ) (النساء: 27) .

البطالون الضائعون الذين لا يريدون أن يبذلوا جُهداً لمدافعة الشر ولا يدفعوا مالاً لنصرة الحق ، بل ربما سرقوا مالاً ، أو روجوا مّخدراً ، أو ارتكبوا محظورات أخرى ، فأولئك يخرقون في السفينة ولا يصلحونها .

أهلُ الغرورِ والكبرياء الذين يرون الرشدَ بعقولهم وحدهم دون أن يلتفتوا إلى عقول الآخرين ، بل ربما حكموا على عقول غيرِهم قبل أن يعلموها ، وربما صادروا آراء الآخرين قبل أن يستبيتوها ،وقد عاب القرآنُ على فرعون مقولتَه (( مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَاد ) ) (غافر: 29) .

وما نفعه الوعيُ حين جاء الغرق: (( حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) ) (يونس: 90) .

قال الله له: (( آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ* فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ) ) (يونس: 92,91) .

ويَخرق السفينة عالمون آكلون بعلمهم ، يستفيدون لأنفسهم مضللون لأمتهم ، ينسلخون من العلم ، ويتخلون عن نُصح الخلق إنهم لا يَجْهلون لكن يتجاهلون ،وهم لا يُخدعون لكنهم يَخدعُون يعرفون الحق ولا يدعون إليه ، ويعرفون المنكرَ ولا يستنكرونه - أولئك خَرقهم في السفينة عظيم ، وفتنُهم للناس كبيرة ، ونماذجُهم في الأمم السالفة: (( إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ ) ) (سورة التوبة: 34) .

(( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * َلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) ) ( الأعراف 175 ، 176) .

وتتكرر هذه النماذجُ في أمة الإسلام ويكون أحدُ الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النارُ يوم القيامة رجلٌ جمع القرآن فيقولُ اللهُ له يومَ القيامة: ألم أُعلِّمك ما أنزلتُ على رسولي ؟ فيقول: بلى يا ربِّ ، قال: فما ذا عَملت فيما عَلمت ؟ قال: كنتُ أقومُ به آناء الليل وآناء النهار ، فيقول اللهُ له: كذّبت وتقول له الملائكةُ كذبت ، ويقول اللهُ له: بل أردتَ أن يقال فلانٌ قارئ وقد قيل ذلك .. أخرجه الترمذي ( جامع الأصول: 4/540)

وعند مسلم إن أولَ الناسِ يقضى يوم القيامة ..ورجلٌ تعلم العلم وعلّمه ، وقرأ القرآن إلى قوله: تعلمتَ العلمَ ليقال عالم ، وقرأت القرآن ليُقال هو قارئٌ ، فقد قيل ، ثم أمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار ( السابق: 4/541]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت