وفي محكم التنزيل بيانٌ ووعيدٌ: (( مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ *أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) ) ( هود: 14، 15) .
اللهم انفعنا بهدي القرآن وسنة محمد عليه الصلاة والسلام ، اللهم إنا نستغفرك فاغفر لنا ، ونستهديك فاهدنا ، أنت الهادي وأنت الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الحمد لله ربِّ العالمين نصر عبدَه ، وأعزَّ جندَه ، وهزم الأحزاب وحده ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كلَّ يوم هو في شأن وله الحكمُ وإليه ترجعون ، وأشهد أن محمداً عبدُه ورسولُه قام في ذات الله ، وبلغ رسالةَ ربِّه ، ونصح للأمة ، وجاهد في الله حق جهاده ، صلى الله عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين .
إخوة الإيمان:
ويخرق السفينة أنانيون لا يشعرون إلا بأنفسهم ولا يفكرون إلا بذواتهم وإن لاحت لهم بوادرُ الخطوب لا يهمهم صلاح المجتمع أو فسادُه ، ولا تتمعرُ وجوههم للمنكرات وتشيع هنا وهناك دائرةُ تفكيرهم ضيفة ، ومساحةُ الغيرةِ عندهم محدودة .
ويُسهم في خرق السفينة سطحيون لا يدركون حجمَ الخطر ولا يتصورون ضخامةَ المصيبة النازلة ، ولا ينظرون إلى مستقبل الأيام بعمقٍ وروّية ، لا تسمعون للنداءات المحذورة ، وإن سمعوا لم يستجيبوا إذا علا صوتُ النذير رأوه مبالغاً ، وإذا اتضح هدفُ المفسدين لم يحركوا ساكناً ولم يدفعوا باطلاً .
ويخرق السفينة أحمقٌ متهور يريد أن ينتقم لنفسه أو ينتقم من الآخرين ، فيحاولُ بكل وسيلة إغراق أهل المركبة وإن كان هو ضمن قائمة الغرقى ، وتضيق به مساربُ الحياة فيختارُ تحطيمَ نفسِه والآخرين.
ويُسهم في غرق السفينة متعجلٌ وإن كان هدفُه خيراً وغيرُ حكيم وإن كان قصدُه حسناً ، فقد يقودُه اجتهادُه إلى نزع خشبة في السفينة ليسدّ بها خرقاً خر ، فإذا الخرقُ الذي أحدث أشدُ ضرراً وأدعى للغرق ؟ وما فاته أن يستشيرَ غيرَه قبل أن يُحدث الضرر الذي أحدث .
أيها المسلمون
أما حماةُ السفينة .. ومن يقف في وجه هؤلاء الخارقين فهم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ، الذين يُتعبون أنفسهم من أجل أن يطمأن غيرُهم ، والذين يُخاطرون بأنفسهم من أجل أن يأمن غيرُهم ، بل من هؤلاء الحماةُ المنقذين للسفينة ومن عليها من قد لا يجد لسدِ خرق السفينة إلا رجلَه أو يدَه ، تنهشه الأسماكُ ، وتُزعجه دوابُ البحرِ ، ومع ذلك لا يتحرك حرصاً على سلامة الآخرين ، وهؤلاء الناصحون المترابطون قد يسخر منهم بعضُ الجهال - في المركب - لطولِ وقوفهم على خروق السفينة ، وعظيم تضحيتهم بل قد يؤذونهم خارقو السفينة ، وقد يشوهون سمعتَهم ويشككون في مصداقية حراستهم للسفينة ، وما يضيرهم إذا كان اللهُ معهم يعلمُ قصدَهم ، وهو المطلعُ على حسن نواياهم ، والمقدر لجهدِهم وجهادِهم .
إن هؤلاء المنقذين أصناف كثيرةٌ منهم الرجالُ والنساء ، ومنهم العلماءُ والعوام ، ومنهم الدعاةُ وطلبةُ العلم ، فيهم الأغنياءُ والفقراءُ وفيهم المجاهدُ بنفسِه وماله ، ومن لا يملكُ إلا الدعاء ،منهم من يعمل بنفسه ومنهم من لا يملك إلا المشورة والرأي ، منهم من يتصدى لمن يخرق السفينة ، ومنهم من يرصد ويكشف عورات هؤلاء الخارقين ، ومن المنقذين للسفينة أصحابُ العقولِ المقدرة لعواقبِ الأمور ، وإن كانوا ظالمين لأنفسهم مسبوقين في عمل الصالحات ، ففرق بين من يأتي المنكر وهو له كاره ، ويودُّ ألا يقع غيرُه فيما وقع هو فيه ، وبين من يُقدم على المنكر كما لو أقدم على معروف ، بل يود أن يكون هذا المنكرُ سلوكاً شائعاً في المجتمع كلِّه نعم فرق بين الانتهاكات السلوكية ، والانتهاكات القيمية .
إن أرقى المجتمعات - مجتمع النبي صلى الله عليه وسلم لم يسلم من ممارسة المنكر ، لكن فرق بين من يقول: زنيتُ يا رسول الله فطهرني ، وبين من يزني وهي يرى الزنا سلوكاً حضارياً أو حريةً شخصيةً يتهم من ينكرها ؟ .
أيها المسلمون
ليجعل كلُّ واحدٍ منكم نفسه منقذاً للسفينة ، لا خارقاً فيها ، وليس يخفى انه ما من منكرٍ يتصدى له الناسُ بالإنكار ، إلا توارى هذا المنكرُ أو جلُّه ، أو دفع اللهُ بهذا الإنكار منكراً خراً سيترتب على المنكر قبله ، ولو لم يكن من ذلك شيءٌ فتكفي المعذرة (( َقالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) ) ( الأعراف: 164) .
وإذا كان الناسُ كلُّهم إذا مُسَّتْ مصالحُهم الدنيوية ثاروا واستنكروا دون أن يُنيب أحدٌ منهم غيرَهم ، فأصحابُ الغيرة والذين تتّمعر وجوهُهم للمنكر هو الذين يستنكرون ويتحركون إذا اعتدى على الدين واستخف بالقيم والأخلاق والسلوكيات الحميدة .
وتلك شهادةٌ لهم عاجلةٌ لهم بالإيمان في الدنيا وأجرُهم على الله يوم يلقونه ، وقد قاموا بأمرِه .
: (( وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ) ) ( آل عمران: 115) .
إخوة الإيمان
دعوني أختم لكم بقصة واقعية تبين أثر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في إزالة المنكر واستصلاح المخطئين حدّث صاحبي وقال:
في صالة المطار كان الشابان يستعدان للسفر ، إذ أبصرهما ناصحٌ مشفقٌ عليهما ، وسائلهما قائلاً: إلى أين السفرُ يا أحبائي ؟ فتلعثما في الإجابة فسبقهما قائلاً كأنكما تريدان السفرَ إلى بلاد كذا حيث تشيع الفاحشة وتنتشر الرذيلة ، وتوضع المصائدُ للشباب ؟ وإني لكما ناصحٌ وعليكما مشفق ، إلا راجعتما أنفسَكما واستخرتما اللهَ عن هذا السفر ، فهل تعتقدون أن الله غافلٌ عنكما أينما كنتم؟
وما رأيكما لو وافتكما المنيةُ على حالٍ لا ترضون أن تكون خاتمةً لحياتكما ؟ أليس وارداً أن تذهبا أحياءً وتعودون في التوابيت أمواتاً ؟ ما حجمُ فضيحتكم في الدنيا ؟
وكيف بكم إذا قدمتما على الله تحملان أوزاركما على ظهوركما يوم القيامة ؟