ومتى ما أحجمت النفوس ، ومتى ما اعتصمت القلوب بأمر الله ؛ فإن كل قوى الأرض لا تستطيع أن تغير الواقع ، ولا أن تظهر في مجتمع المسلمين صورة الكفر أو الانحراف ، ولكنها النفوس المريضة تضعف وتستجيب لنداء الشيطان ، ولكنها العقول الضعيفة تأتي عليها الشبهة فتهوي في مهاوي الشرك أو مبادئ الكفر والضلال .
فإذا شعرت الأمة بهذا المعنى أن هذا الحج إنما تجاوز لكل مخالفة عقدية أو عبادية أو سلوكية ، أو أخلاقية تخالف أمر الله ، وأنها في هذا التجاوز تمضي بعزم وقوة وصورة عملية ، وليس ادعاءً لفظياً فحسب ؛ حينئذٍ يمكن للأمة أن يتغير من واقعها شيءٌ كثير ، وإن حال الأمة اليوم ينبغي أن لا يُفسّر دائماً بأنه كيد الأعداء ، وأنه مؤامرات المتآمرين ، وأنه الفساد الذي يقدمه أهل الباطل وإنما أيضاَ مع كل هذا ضعف النفوس واستجابتها لهذه الإغراءات .
أما إذا اعتصمت واستعلت ؛ فإن الله غز وجل قال: { ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين } .
إن مملكة القلب والنفس لا يستطيع أي بشرٍ مهما أوتي من قوة إغراءٍ أو ترهيب أن يؤثّر فيها حقيقة ، وإنما هي ضعف النفوس
قد تملك سوطاً يكويني = = وتحز القلب بسكيني
لكن سلطانك لن يرقى = = لذرى إيماني ويقيني
إن الأمة اليوم وهي تنبعث من كل مكان تحقق الأمر الذي يقض مضاجع الأعداء وهي أن هذه الجموع المتكاثرة رغم اختلافاتها المتعددة تتحرك حركةَ واحدة عندما يدوي نداء الدين وعندما يأتي نداء رب العالمين وعندما تعلوا وترفع راية الإسلام وتنزل أو تظهر أحكامه وشرائعه .
وكذلك في هذه الصورة يأتي التجاوز لكل مخالفة لأمر الله سبحانه وتعالى
روت جموع المؤمنين قلوبها = = بالنفر نحو منى لترضي ربها
وعلت هتافات الحجيج إلى السماء == كل يلبي ربه متولها
نزلوا الخيام لباسهم متوحد == هجروا ملذات الحياة وزورها
شعث الرؤوس ثيابهم مغبرة == لكن قلوبهم تضيء من البها
وتزينت عرفات لليوم الذي = = تحيا به جنباتها وهضابها
تفد الجموع بقطها وقبيطها = = ترجو الإله الحق غفر ذنوبها
رباه إني قد أتيت مرابعاً == تهف القلوب من الدنا لرحابه
رباه هل أحظى لديك لحدة = = تمحوا بها ذنبي وتدنيني بها
هذا لسان حال كل موحد متوجهِ إلى حج بيت الله الحرام .
ثم تأمل أيضاً معنى عظيم ؛ وهو معنى البذل والتضحية
كم من أولئك ممن خلف وراءه أهله وأبناءه ، وهم ربما في بعض أو في أمس الحاجة إليه ، وربما بعضهم في مرض أو في نوع خوف وعدم أمن ، لكنها التضحية شوقاً لاستجابة لأمر الله سبحانه وتعالى .
كم منهم من كانت عنده ألوان من الحاجات المادية ، فقدّم أمر الله سبحانه وتعالى ليبذل فيه ماله ، ولينفق فيه عرق جبينه سعياً لمرضاة الله سبحانه وتعالى .
فإن البذل والتضحية العظمى لا تكون إلا لله سبحانه وتعالى ، والأمة فيما مضى في تاريخها ضربت أروع الأمثلة حينما هاجر المهاجرون خلّفوا وراءهم أهلهم وديارهم وأموالهم ، وخرجوا من كل دنياهم لكنهم خرجوا إلى جنان الإيمان الوارفة خرجوا إلى حياة الإسلام العظيمة .. خرجوا إلى دولة التوحيد التي لا يصيب فيها المؤمن غم ولا هم ولا عناء .. خرجوا إلى هذه الصورة التي يريد المسلمون اليوم أن يخرجوا من كل الدنيا ليحظوا بقليل من الوقت ، أو بيسيرٍ من اللحظات تظللهم راية الإسلام ، وتحكمهم شريعته وتقام أحكامه في مجتمعهم .
كم من المسلمين يغادرون ديارهم التي علت فيها رايات الكفر ، أو التي ظهرت فيها آيات الفسق لأنهم يريدون أن يتنسموا نسيم الطهارة يريدون أن يسمعوا دوي الآذان الذي يتردد في الآفاق يريدون أن يشاهدوا تطبيق الإسلام في أرض الواقع في دولة إسلامية متكاملة ، في مجتمع إسلامي طاهرٍ نظيف .
ولذلك إذا كانوا يضحون ويبذلون لأجل أيامٍ قلائل في رحاب البقاع المقدسة ؛ ليستجيبوا لأمر الله ، ليشهدوا توحد الأمة ليشهدوا عظمة الدين .. فما أحراهم أن يبذلوا وان يضحوا ليقيموا دولة الإسلام ومجتمع المسلمين في كل مكان !
إن معنى البذل والتضحية في هذا الأمر المحدود إنما هو درسٌ من هذا الإسلام العظيم ليبذلوا المؤمنون وليضحوا في سبيل إقامة شرع الله سبحانه وتعالى .
وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم لصهيب الرومي رضي الله عنه: ( ربح البيع أبا يحيى ) .
ما خسر من كسب في دين الله وما خسر من حاز رضوان الله وما خسر من فقد الدنيا بما فيها من أجل لحظة من لحظات الطاعة والقرب من الله فكيف من أجل إقامة شرع الله سبحانه وتعالى .
إن الأمة اليوم وهي تضطهد في كل ديارها وهي تحاط بالمؤامرات والكيد من كل جوانبها ينبغي أن تستحضر ضرورة البذل والتضحية لأجل الله سبحانه وتعالى ولأجل دين الله عز وجل .