فهرس الكتاب

الصفحة 3185 من 9994

تأمل إذاً هذه المعاني كلها .. تأملها حينما ترى المسلم ليؤكد رغم أنه خرج من داره باذلاً ماله ، مضحيّاً بجهده وبوقته رغم ذلك يقف وقفةً يجدد فيها الإعلان ويعلن فيها الراية أنه صادق في توجّهه لله سبحانه وتعالى .. أنه مستحضرٌ أن أمر الله مقدّم على كل أمر أنه متفاعلُ من أعماق قلبه ، وأبوار نفسه ، مشتاقٌ للاستجابة لأمر الله ، مقبلٌ على الطاعة إقبالاً بكل جوارحه وجوامحه .. وهذه وقفة الإحرام عند المواقيت ليعلم أنه مقبلٌ على أمرٍ عظيم ليخلّف الدنيا وراءه .. ليتجرد منها تجرداً كاملاً ، يخلع ملابسه فيخلع معها كل معنى من معاني الدنيا ، وكل زينة من زينتها وكل بهرجِ من بهارجها ، ويعلن أنه لا يتزين وأنه لا يتحلى وأنه لا يشرف وأنه لا يتميز إلا بأمر الله سبحانه وتعالى .

وكم هو عظيمُ هذا المعنى الذي خفي في حياة كثير من المسلمين فصارت الدنيا بارتباطهم بها وبتحديهم وتزينهم بها وبتميزهم حتى في واقع حياتهم لأجلها أراد الله عز وجل أن يبين هذا المعنى لأمة الإسلام في هذه الشعيرة العظيمة ثم يأتي قول الله سبحانه وتعالى في قصة الخليل إبراهيم عليه السلام:

{ وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامرٍ يأتين من كل فجٍ عميق } .

وهو النداء الخالد ليس من عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم ، بل من آلاف وآلاف وآلاف من السنوات منذ عهد الخليل: وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ) .

والمعنى الذي ينبغي أن يستحضره المسلم أن إبراهيم أذن بأمر الله فاستجابت الجموع على مدى هذه الدهور المتعاقبة بأمر الله سبحانه وتعالى بفضل الله سبحانه وتعالى ، وإنما جعل المرء سبباً من الأسباب التي يتحقق بها قضاء الله وقدره .. كما قال عز وجل في قصة عيسى عليه السلام: { وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي } .

قد ألهمهم الله فلما دعا عيسى استجابوا له ، وهذا المعنى ينبغي أن يؤذن كل مسلمِ في جنبات الأرض داعياَ إلى الله سبحانه وتعالى فتستجيبوا الجموع إثر الجموع ، وشاهد الواقع ظاهر في هذا التأثير ؛ فإنه ما من كلمة حق ترفع ، وما من حكم للإسلام يذكر ، وما من موعظة إلا ولها استجابة في قلب إلا ولها تغير في سلوك - إن عاجلاً أو آجلاً - ولكن الألسن قد خرست ، ولكن الحق ظل حبيساً في قلوب أصحابه: إما جبن عن أن يذكروه ، وإما ركنوا إلى الدنيا وانشغلوا بها ، أو كانت لهم أسباب أخرى واهنةُ واهية ، فعس أذان الإسلام في الدنيا ، وقلّ سمعه في آذان الناس ، وقلّ طرحهم أمام عقولهم وأفكارهم ؛ ولو طرح فإنه مؤذنُ بأن يكتسح كل الملل والمحل التي فيها تحريف والتي فيها تغير والتي فيها فسادُ وحقدُ وبغض لأنه دين الفطرة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما من مولد يولد إلا على الفطرة ولكن أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) .

إن معنى أذان إبراهيم دعوة لكل مسلم أن يكون داعيةَ لله عز وجل أن يؤذن كما أذن بلالُ رضي الله عنه يوم فتح مكة فعل بلالُ الحبشي سطح الكعبة ودوى بالأذان معلناَ منذ ذلك الحين أن هذه الديار ، وأن هذه الجزيرة لا يعلوا فيها إلا أذان الله ، ولا يبقى فيها إلا دين الله ، ولا يصح أن يجتمع - كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم - فيها دينان ، ولذلك شعار المسلم أنه ينفعل بوحي الله ويستجيب لأمر الله ولا يكتفي بأن يطبق في ذات نفسه بل يعلي ويعلن ويدعوا إلى هذا الدين ..

وأصغي إلى وحي السماء يهزني = = وينساب في الأحشاء كالنبع صافيا

فأغسل قلبي في مناهل طهره = = وأروي به من كان طمأن صابيا

وللحق في صدري ركائز دولة = = أشيد لها صرحاً على الأرض عاليا

أهينوا بإسلامي وأبذل دونه = = حياتي واسخوا في علاي بماليا

يحرك أطرافي رضاه ومقولي = = ينادي به بين البسيطة داعيا

وأرهق سمعي في إطاعة خالقي = = فيخفق قلبي للإله مناجيا

ترجع أعماقي نداء محمد = = وصوت بلال بالمآذن عاليا

وصيحات سعد في الحروب وخالد = = وأمجاد أسلافي تدوي ورائيا

وأرفع في لج الحوادث هامتي = = ولو كان في رفع الرؤوس مماتيا

تلاشت حدود الأرض عندي وإنما = = بلادي وقومي حيث يدعي إلاهيا

حينما يتحقق المسلم بكمال الإيمان لا يرضى إلى أن يكون داعياَ لله سبحانه وتعالى وهو معناَ عظيمُ في هذه الشعيرة: { وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامرٍ يأتين من كل فجٍ عميق } .

وإن من أعظم مواسم التقوى موسم الحج الأكبر التي تهفوا وتصفوا القلوب فيه لطاعة الله سبحانه وتعالى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت