إن الدروس والمعاني التي ينبغي أن تستقى ، وأن تنتفع بها الأمة كثيرة وكثيرة جداً .. ولكن ما ذكرت من هذه الدروس ربما لا يكون ظاهراً جليا ؛ لأن الناس ربما ينصرفون إلى الظواهر ، وينشغلون بها وتلجأهم الظروف إلى أن يكون مع الشكليات ؛ فإذا به لابد أن يستخرج الجواز ، وأن يأخذ التأشيرة ، وأن يجمع المال ، وأن يسجّل الاسم ، ويهيب في هذه الدوامة ، وينسى أن يتوجه بقلبه لله سبحانه وتعالى ، وينسى المعاني التي أشرنا إليها .. لا بد لتنتفع الأمة من هذا الموسم العظيم الذي جعله الله عز وجل إرغاماً للكافرين وإذلالاً لهم ، وإغاظةً لقلوبهم ؛ لأنهم يرون فيه صورة تعجز الدنيا - كما أشرت - أن تمثلها في أقل القليل من عددها أو في أقل القليل من صورها ومعانيها .
ألسنا نرى أن هذا الموسم يمثل اجتماع الطاقات في الأمة المسلمة ؟ أليس يأتي إلى هذا المكان الطاهر ، وإلى تلك البقاع المقدسة الفقراء والأغنياء ؟ أليس يأتي إليه العامة والعلماء ؟ أليس يأتي إليه البسطاء والحكماء ؟ أليس يأتي إليه الضعفاء والأقوياء والأغنياء والفقراء ؟
إنها صورةُ كلهم يجتمعون في موطن واحدِ بأمر اله عز وجل ليدللوا أو ليتعلموا أن لا بد للأمة من تكامل في قواها أن يفيض العالم على الجاهل والغني على الفقير والحكيم على الذي لا حكمة له أن الأمة يجتمع مال بعض أبناءها مع عقول أبناء لها آخرين مع قوى أخرى .. إن الأمة وحدة واحدة ؛ ولذلك تنصهر كل الفوارق وتذوب ، وتبقى صورة الوحدة للأمة المسلمة أعظم صورة تشرق في مشهد عرفات وفي ربوع منى وفي ظلال بيت الله الحرام .
وكم هو عظيم معنى الطواف الذي يجعل الأمة كلها تدور وتطوف نحو محورٍ واحد ، كلها بكل قواها ، بكل طاقاتها ، بكل مشاعرها ، بكل ما في قلوبها ونفوسها من آمالٍ وطموحات ، بكل ما تلاقيه من صعوبات ومشقات .. إنها تطوف حول بيت الله الحرام .. إنها أمة واحدة ، وإن قطب الرحى هو دينها هو مقدساتها هو عقيدتها هو هذا الأمر الذي به عزتها وقوتها ووحدتها ..
وهذه المعاني كلها تغيب أيضاً من المسلمين أو من بعض المسلمين حينما لا يتلقون العلم والتبصرة ، وحينما يخوضون في ظل الواقع مع زحام شديد أو مع اختلافات في الرأي موزعة أو مع غير ذلك من الصور التي لا يتحقق بها من هذا الموسم العظيم هذه الدروس الكبرى !
أيها الأحبة الكرام:
إن هذه الدروس وغيرها في شعائر الله وفي فرائض الله هي مما ينبغي أن يكون من أسباب التغير العظمى في واقع حياة الأمة ، وهو كذلك في سالف التاريخ وفي حاضر الواقع أيضاً ؛ فإننا نرى في كل عامٍ تغيّراً ، وإننا نرى في كل فترةٍ من الزمن إيجابيات تتصاعد ، وصوراً من الخير يسوقها الله سبحانه وتعالى لهذه الأمة ، ونحن في هذا الموسم العظيم يجب أن نتذكر هذه المعاني ، ويجب أن نهيئ أنفسنا ؛ سواءً كان الإنسان ضمن وفد الحجيج أو لم يكن ؛ فإن هذه المعاني ليس بالضرورة مرتبطةً بمن يحج دون غيره وإن كانت في حق الحاج أعظم .
ولنا مع الحج جولةُ أخرى .. ولكن الطريق إلى مكة هو الطريق إلى القوة والوحدة ، والطريق إلى مكة هو طريق النصر والعزة .