فهرس الكتاب

الصفحة 8525 من 9994

أيها المسلم، هذا خلق المؤمن في هذه الدنيا، بين خوفٍ من الله، وبين رجاءٍ لفضله وكرمه، بين خوفٍ من عقوبة الله وشدة بأسه، وانتقامه ممن خالف أمره، وبين قوة رجاء وأملٍ وطمع في سعة رحمة الله وفضله، وتجاوزه وإحسانه، فمتى قام بقلب المؤمن هذان الأمران: الخوف والرجاء، فإنه يرجى للمسلم خير، فإن المؤمن كلما وجد من نفسه تهاوناً وتساهلاً وكسلاً عن الطاعة وضعفاً في الأداء وجرأة على المحارم ذكّرها خوف الله وبأسه وانتقامه وأنه قادر على كل شيء، وكلما وجد من نفسه يأساً وقنوطاً ذكرها رجاء الله، وقوَّى ثقتها بالله، فبهذين الأمرين يستقيم حال المسلم.

والله جل وعلا في كتابه العزيز قد ذكر لنا أخلاق المؤمنون، صفات المؤمنين، أعمالهم، وما أعد لهم من الثواب العظيم: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِى أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72] ، إِنَّ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً [الكهف:30] .

وذكر لنا أخلاق المكذبين الضالين، والمنحرفين عن المنهج القويم، وما توعّدهم به من العذاب الأليم: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَاكِن كَانُواْ هُمُ الظَّالِمِينَ [الزخرف:74-76] ، قال تعالى: اعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [المائدة:98] ، وقال: نَبّىء عِبَادِى أَنّى أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ الْعَذَابُ الألِيمُ [الحجر:49، 50] .

أيها المسلم، لا تكون راجياً لله حقاً حتى تؤدي العمل، وتؤدي السبب، فالرجاء لله لا يكون إلا بعد الأعمال الصالحة، ترجو من الله قبول ذلك العمل، والإثابة عليه، أما مجرد رجاء مع تهاونٍ وتعطيلٍ للأوامر وارتكاب للنواهي، فتلك الأماني، والغرور، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [البقرة:218] ، فبأعمالهم الصالحة التي عملوها إخلاصاً لله وقياماً بالواجب صاروا ممن يرجون رحمة الله، أُوْلئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، فالرجاء بلا عمل أمانٍ كاذبة، قال تعالى مبيّنا فساد هذا التصور، تصور الرجاء مع ترك العمل الصالح: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُواْ السَّيّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ [الجاثية:21] ، ما داموا في الحياة متفاوتين فهم كذلك بعد الموت متفاوتين، قال تعالى: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [القلم:35، 36] .

يا من يرجو جنة الله وعفوه، يا من يرجو مغفرة الله وتجاوزه، يا من يرجو رضاء الله عنه، قدم عملاً صالحاً، ائت بالأسباب التي أمرك الله بها ليتحقق لك الرجاء، وأما الرجاء بلا عمل فتلك الأماني الكاذبة، قال تعالى: لَّيْسَ بِأَمَانِيّكُمْ وَلا أَمَانِىّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً [النساء:123] ، ثم قال: وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً [النساء:124] .

أيها المسلم، قوِّ الرجاء مع العمل الصالح، فالأعمال الصالحة يكون بها الرجاء حقاً، قال تعالى: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ الآية [آل عمران:195] ، المهم من ذلك أن يكون رجاؤك لرحمة الله، ورجاؤك لجنة الله، ورجاؤك لرضى الله عنك واقعاً بعد أعمال صالحة عملتها وتقربت بها إلى الله، قال تعالى: فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا [الكهف:110] .

أيها المسلم، إن الله جل وعلا توعّد المخالفين لأمره بالوعيد الشديد: أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ. [النحل:45-47] .

والله تعالى يصف عباده المؤمنين ويذكر أعمالهم الصالحة: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال:2-4] ، قال بعض السلف:"ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال" (1) [1] .

قيل للحسن رحمه الله: إنا نصاحب أقواماً يؤمِّنوننا، قال:"لأن تصحب أقواماً يخوِّفونك حتى تزداد أمنا أحب إليَّ من أقوام يؤمنونك حتى تزداد خوفاً" (2) [2] ، فإن من يقوي رجاءك مع تهاونك بالأعمال فذا خادع لك، وإنما يقوى الرجاء مع قوة العمل، ولهذا عند الاحتضار المؤمن المستقيم على الطاعة والهدى إذا بُشر بالنعيم المقيم أحب لقاء الله، فأحب الله لقاءه، وغير المؤمن إذا نظر إلى مقعده من النار وحاله السيئة بعد ذلك كره لقاء الله، فكره الله لقاءه. فالمؤمن يرجو لقاء الله لما قدم من عمل صالح خالصٍ لله، يدل على قوة الرجاء. وأما الرجاء بلا عمل فإنما هو الإتلاف والأماني والخداع الذي لا ينتج شيئاً.

فلنكن - إخوتي - راجين لله مع أعمالنا الصالحة، خائفين من بأسه وعقوبته، فإن قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه يقلبها كيف شاء، إذا أراد أن يقلب قلب عبدٍ قلبه، وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام:110] ، ومحمد كثيراً ما يقول: (( اللهم مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك ) )، فسئل فقال: (( إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، إذا أراد أن يقلب قلب عبد قلبه ) ) (3) [3] .

فنسأله تعالى أن يثبتنا على دينه، وأن يهدينا صراطه المستقيم، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يعيننا على شكره وذكره وحسن عبادته.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

أما بعد:

فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت