بعض الناس إذا رأى الأكثرين تسارعوا في الخبيث من الأقوال والخبيث من الأعمال، يقول: الناس كلهم كذلك فيحمله ذلك الظن على أن لا يكون طيبًا في قوله وفي عمله وفعله، وهذا من مداخل الشيطان على القلوب، وربك جل وعلا يقول: قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث.
كذلك الطيب من الناس لا يستوي مع الخبيث من الناس، المؤمن التقي الموحد لله الذي أخلص قوله وعمله لله، فليس في قلبه عمل لغير الله، إنما هو مخلص لله، مخلص في قوله، مخلص في توجهاته لله، طاب ذاتًا وقلبًا فليس في قلبه إلا محبة الله، ليس في قلبه إلى محبة رسول الله . يبغض الشرك وأهله والبدع وأهلها، يبغض ذلك متقربًا بذلك إلى الله، ويجاهد في ذلك، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
هل يستوي هو والآخر الذي لا يحب السنة وأهلها، الذي لا يرفع رأسه بأعظم واجب ألا وهو توحيد الله، يتساهل في ذلك إما في نفسه أو في من حوله، أو في دعوته، كل ذلك لا يستوي عند الله قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث.
إذا كثر أولئك فلنتعزَّ بقول الله جل وعلا: وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين [يوسف:103] ، وقال جل وعلا ـ في وصف من آمن مع نوح ـ: وما آمن معه إلا قليل [هود:40] .
فالطيب هو الذي يباركه الله جل وعلا، ويرفعه وينميه ويزكيه؛ لأن الله جل وعلا طيب لا يحب إلا طيبًا.
كذلك الطيب من المال والخبيث من المال لا يستويان؛ فالطيب في الأموال وإن قلَ فمآله إلى بركة، مآله إلى خير، بعض الناس تضيق عليه سبل الكسب فلا يحب إلا قليلاً طيبًا، فليفرح بذلك الطيب القليل؛ لأن معه بركة الله جل وعلا؛ لأن معه أن يكون نماء جسده ونماء دمه ونماء جسد أولاده من مال طيب يحبه الله، فإذا رفع ذلك الذي تحرى المال الطيب يديه إلى الله كان حريًا بأن تقبل دعوته وكان حريًا بأن يجيبه الله جل وعلا.
وكذلك لا يستوي هذا الرجل وذلك الآخر الذي تراه في عز وفي مال وفير يتنوع في الملابس ويتنوع في المراكب، وهي ليست من مال حلال، إنما هي إما من رشوة، وإما من ربا، وإما من غش وإما من خيانة لأموال المسلمين فلا يستوون عند الله، لا يستوون أبدًا، فذلك وإن كثر ماله فإنما هو مال خبيث وباله عليه في هذه الدنيا وفي الآخرة، وإذا غذي فيه جسده فإنه متوعد بأن لا يجيب الله دعوته، ثبت في صحيح مسلم أن النبي ذكر الرجل الذي يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، قال عليه الصلاة والسلام: (( ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك ) ) [2] ، إن الله جل جلاله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال جل جلاله: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحًا [المؤمنون:51] .
نعم أيها المؤمنون: لا يستوي الخبيث والطيب لا في القول ولا في العمل، ولا في الذوات ولا في المال، ولكن الشأن كل الشأن من يروم ربه جل وعلا من يخلص لربه، من يروم جنة الله، من يروم دار الخلد ودار الكرامة ودار الطيبين، فيصبر على ألا يقول إلا طيبًا ولا يعمل إلا طيبًا، ولا يكسب إلا طيبًا فإن ذلك يحتاج إلى صبر وإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب [الزمر:10] ، وأسأل الله الكريم بأسمائه الحسنى أن يجعلني وإياكم من الذين طابت أقوالهم وأعمالهم وطابوا ذاتًا ونفسًا، اللهم اجعلنا وذرارينا ومن نحب من الطيبين المطيبين الذين رضيت أقوالهم ورضيت أعمالهم.
واسمع قول الله جل وعلا بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المؤمنين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.
[1] صحيح أخرجه أحمد (5/231) ، والترمذي ح (2616) وقال: حديث حسن صحيح ، وابن ماجه ح (3973) عن معاذ بن جبل رضي الله عنه.
[2] صحيح مسلم ح (1015) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
الخطبة الثانية
الحمد لله حق حمده، أثني عليه الخير كله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، وصفيه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
أما بعد فإن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد بن عبد الله، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة، وعليكم بتقوى الله عز وجل فإن بالتقوى فخاركم وسعادتكم ورفعتكم في هذه الدنيا وفي الدار الآخرة.