فجاءه الجواب على الفور: يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميًا [مريم: 7] .
لماذا هذا؟ وكيف حصل؟! لا تسل, وحسبك أن تقول إنه عرف الله في الرخاء فعرفه الله في حال الشدة والكرب والحاجة.
وأما رسول الله فيقول: (( تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة ) ).
ثم استخبر خبر الثلاثة من بني إسرائيل الذين قص النبي عليه السلام قصتهم, وأخبر خبرهم, يوم أن آواهم المبيت إلى غار فتدهدهت عليهم صخرة عظيمة أغلقت فم الغار, فإذا الغار صندوق مغلق محكم الإغلاق, مقفل موثق الإقفال.
إن نادوا فلن يسمع نداؤهم, وإن استنجدوا فلا أحد ينجدهم, وإن دفعوا فسواعدهم أضعف وأعجز من أن تدفع صخرة عظيمة سدت باب هذا الغار, وكانت كربة, وكانت شدة, فلم يجدوا وسيلة يتوسلون بها في هذه الشدة إلا أن يتذكروا معاملتهم في الرخاء, فدعوا الله في الشدة بصالح أعمالهم في الرخاء.
دعا أحدهم ببره والديه, يوم أتى فوجدهما نائمين، وطعامهما قدح من لبن في يده، وصبيته يتضاغون من الجوع, وكان بين خيارين إما أن يوقظ الوالدين من النوم, وإما أن يطعم الصبية!! فلم يختر أيًا من هذين الخيارين, ولكن اختار خيارًا ثالثًا وهو أن يقف والقدح على يده والصبية يتضاغون عند قدميه، ينتظر استيقاظ الوالدين الكبيرين, والوالدان يغطان في نوم عميق حتى انبلج الصبح وأسفر الفجر فاستيقظا، وبدأ بهما وأعرض عن حنان الأبوة وقدم عليه حنان البنوة على الأبوة فشرب أبواه وانتظر بنوه.
(( اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه ) ).
ثم دعا الآخر, فتوسل إلى الله بخشيته لله ومراقبته يوم أن قدر على المعصية, وتمكن من الفاحشة ووصل إلى أحب الناس إليه، ابنة عمه, بعد أن اشتاق إليها طويلاً وراودها كثيرًا وحاول فأعيته المحاولة, حتى إذا أمكنته الفرصة واستطاع أن يصل إلى شهوته وينال لذته خاطبت فيه تلك المرأة مراقبة الله فقالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه, فارتعد القلب واقشعر الجلد, ووجفت النفس وتذكر مراقبة الله تعالى فوقه، فقام عنها, وهي أحب الناس إليه وترك المال الذي أعطاها.
(( اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه ) ).
ودعا الثالث فتوسل بعمل صالح قربه, وهو الصدق والأمانة حيث استأجر أجراء فأعطاهم أجرهم, وبقي واحد لم يأخذ أجره فنمّاه وضارب فيه, فإذا عبيد وماشية وثمر.
ثم جاء الأجير بعد زمن طويل يقول: أعطني حقي.
لقد كان يستطيع أن يقول: هذا حقك أصوعٌ من طعام, ولكنه كان أمينًا غاية الأمانة, نزيهًا غاية النزاهة, فقال: حقك ما تراه, كل هذا الرقيق, وكل هذه الماشية, كلها لك, فكانت مفاجأة لم يستوعبها عقل هذا الأجير الفقير, فقال:"اتق الله ولا تستهزء بي"فقال: يا عبد الله إني لا أستهزء بك, إن هذا كله لك, فاستاقه جميعًا, ولم يترك له شيئًا.
(( اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه ) ).
وتنامت دعواتهم, وتنامت مناجاتهم، فإذا الشدة تفرج والضيق يتسع, وإذا النور يشع من جديد فيخرجون من الغار يمشون [2] .
وأما رسول الله فيقول: (( تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة ) ).
التعرف على الله بالتزلف إليه بالنوافل والقربات في حال الرخاء.
وكما كشف عن الأفراد كروب وفرجت شدائد, لأنهم عرفوا الله في الرخاء, فكذا تفرج عن الأمة كروب وتنفس عنهم شدائد إذا عرفوه في الرخاء.
أما طاف الأحزاب بالمدينة وهم عشرة آلاف، والمسلمون ثلاثة آلاف, وكانت شدة فرجت عن قوم عرفوا الله في الرخاء، فأرسل الله الريح فاقتلعت الخيام, وكفأت القدور, وإذا بالجيش يرتحل من غير نزال ولا قتال.
أمَا نزل التتار حول دمشق فطوقوها كما يطوق اللجام رأس الفرس, فما خرج إليهم جيش ولا احتشدت أمامهم حشود الجنود، ولكن أنزل الله الجليد وكثر عليهم الثلج وكأنما يقول لهم: لا مقام لكم فارجعوا [الأحزاب: 13] .
ونحن اليوم نعيش شدة تعيشها الأمة, تدكها دكًا. فنعرف أن الأمة اليوم تدفع الثمن الباهظ ثمن غفلة طويلة ونسيان لله, وطول صدود عنه, فها نحن ندعو في الشدة, ندعو في الشدة, ندعو في الشدة, ولكن طالما أطلنا التفريط في الرخاء.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم, ونفعني الله وإياكم بهدي سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وآله وصحبه أجمعين.
[1] رواه أحمد في المسند ح (2800) .
[2] قصة أصحاب الغار رواها البخاري ح (2272) ، ومسلم ح (2743) .
الخطبة الثانية
أيها الأخوة المؤمنون:
إن الشدائد في طريقنا لن تخطئنا, ولن نخطئها, وإن خير ما نلقى به هذه الشدائد معرفة الله في الرخاء.
والصحة رخاء, الشباب رخاء, المال رخاء, الأمن رخاء, الفراغ رخاء, القوة رخاء, فهل نعرف الله في هذا الرخاء.