والراجح قول الجمهور؛ لأن الأحاديث صحيحة وصريحة فيما قالوه، وأن ما احتج به الإمام مالك لا يصلح حجة، فالاحتجاج بحديث أبي داود: أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين كبشًا كبشًا. قال فيه ابن حجر: لا حجة فيه فقد أخرجه أبو الشيخ من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس بلفظ: «كبشين كبشين» . وأخرج أيضًا من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مثله.
وعلى تقدير ثبوت رواية أبي داود، فليس في الحديث ما يرد به الأحاديث المتواردة في التنصيص على التثنية للغلام، بل غايته أن يدل على جواز الاقتصار، وهو كذلك فإن العدد ليس شرطًا بل مستحب. [الفتح 9/506]
قال ابن القيم: حجة الجمهور الأحاديث الصريحة في أن عقيقة الغلام شاتان وعقيقة الجارية شاة، وأما أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين، فذلك يدل على الجواز، وما ذكرناه في عقيقة الغلام من الأحاديث صريح في الاستحباب وسماع أم كرز لهذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم كان عام الحديبية، فهو متأخر عن عقيقة الحسن والحسين، وهو أَوْلى بالأخذ والاتباع.
[عون المعبود شرح سنن أبي داود (8/425) ]
سادسًا: ما يجزئ في العقيقة
يجزئ في العقيقة الجنس الذي يجزئ في الأضحية، وهو الأنعام من إبل وبقر وغنم، ولا يجزئ غيرها، وهذا قول الجمهور.
وقال ابن حزم: ولا يجزئ في العقيقة إلا ما يقع عليه اسم شاة إما من الضأن وإما من الماعز فقط، ولا يجزئ في ذلك شيء من غير ما ذكر، لا من الإبل، ولا من البقر الإنسية ولا من غير ذلك.
[المحلى 9/593]
والراجح هو قول الجمهور: إجزاء الإبل والبقر أيضًا في العقيقة.
وذكر الرافعي بحثًا أنها تتأدى بالسُّبع (أي سبع بقرة) ، كما في الأضحية، والله أعلم.
[الفتح: 9/507]
وعلى ذلك يشترط في العقيقة ما يشترط في الأضحية، وأنه يمنع فيها من العيب ما يمنع في الأضحية، ويستحب فيها من الأوصاف ما يستحب في الأضحية.
لحم العقيقة
يجوز أن يأكل منها صاحبها الذي ذبحها عن المولود، ويدخر منها ويهدى ويتصدق منها كما في الأضحية، وإن طبخ منها ودعا إخوانه فأكلوا فحسن.
قال ابن حزم: ويؤكل منها ويُهْدَى ويُتَصَدَّقُ، هذا كله مباح.
وقال ابن سيرين: اصنع بلحمها كيف شِئْتَ.
سابعًا: وقت الذبح:
ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن وقت ذبح العقيقة يبدأ من تمام انفصال المولود، فلا تصح عقيقة قبله، بل تكون ذبيحة عادية.
وذهب الحنفية والمالكية إلى أن وقت العقيقة يكون في سابع الولادة ولا يكون قبله.
[الموسوعة الفقهية 30/278]
واتفق الفقهاء على استحباب كون الذبح في اليوم السابع، قال ابن قدامة: ولا نعلم خلافًا بين القائلين بمشروعية العقيقة في استحباب ذبحها يوم السابع، والأصل فيه حديث سَمُرةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه، ويسمى فيه ويحلق رأسه» . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم، يستحبون أن يذبح عن الغلام العقيقة يوم السابع، فإن لم يُتهيأ يوم السابع فيوم الرابع عشر، فإن لم يتهيأ، عق عنه يوم حادٍ وعشرين. [جامع الترمذي: 5/115]
وهذا موقوف على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وإن تجاوز اليوم الحادي والعشرين جاز في كل وقت لأن هذا قضاء فائت، فلم يتوقف على يوم معين. [المغني 8/614]
وقال ابن حزم: يُذبح في اليوم السابع من الولادة، ولا يُجزئ قبل اليوم السابع أصلاً، فإن لم يذبح في اليوم السابع ذبح بعد ذلك متى أمكن.
وقال ابن حجر في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «يُذْبح عنه يوم السابع» أي من يوم الولادة.
وهل يحسب يوم الولادة؟
قال ابن عبد البر: نصّ مالك على أن أول السبعة اليوم الذي يلي يوم الولادة، إلا إذا ولد قبل طلوع الفجر، وكذا نقله البُويطي عن الشافعي، ونقل الرافعي من الشافعية وجهين ورجع حُسْبان يوم الولادة. [الفتح (9/509) ]
ثامنًا: إزالة الشك
ربما يتوهم البعض أو يشك في مشروعية العقيقة بحديث ذكره ابن الأثير: أنه سئل صلى الله عليه وسلم عن العقيقة فقال: «لا أحب العُقُوق» قال ابن الأثير: ليس فيه توهين لأمر العقيقة ولا إسقاط لها، وإنما كره الاسم، وأحب أن يسمى بأحسن منه، كالنسيكة والذبيحة جريًا على عادته صلى الله عليه وسلم في تغيير الاسم القبيح. [النهاية لابن الأثير 3/277]
والحمد لله رب العالمين