وفي السنة النبوية كان الرسول صلى الله عليه وسلم يكثر من التعوذ بالله ، وكان من تعوذه صلى الله عليه وسلم ما أخرجه مسلم [9] من حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً مِنْ الْفِرَاشِ فَالْتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ وَهُوَ يَقُولُ: (( اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ ) ).
.. وقوله صلى الله عليه وسلم: (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكَسَلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَرَمِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْبُخْلِ ) ) [10] .
وقوله صلى الله عليه وسلم: (( أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ ) ) [11] .
ومنه أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ ) ) [12] .
قال ابن القيم رحمه الله: حديث: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن تضمن الاستعاذة من ثمانية أشياء كل اثنين منها قرينان مزدوجان، فالهم والحزن أخوان، والعجز الكسل أخوان، والجبن والبخل أخوان، وضلع الدين وغلبة الرجال أخوان، فأن المكروه المؤلم إذا ورد على القلب فإما أن يكون سببه أمراً ماضياً، فيُوجب له الحزن، وإن كان أمراً متوقعاً في المستقبل، أوجب الهم، وتخلفُ العبد عن مصالحه وتفويتها عليها إما أن يكون من عدم القدرة وهو العجز، أو من عدم الإرادة وهو الكسل، وحبس خيره ونفعه عن نفسه وعن بني جنسه، إما أن يكون منع نفعه ببدنه فهو الجبن، أو بماله فهو البخل، وقهرُ الناس له إما بحق فهو ضَلع الدين أو بباطل فهو غلبة الرجال فقد تضمن الحديث الاستعاذة من كل شر) [13] .
هذا وقد طلب الله سبحانه وتعالى أن نتعوذ بالله من الشيطان الرجيم عند قراءة القرآن الكريم قال تعالى: (( فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ) ) (النحل: 98) .
قال ابن كثير: (ومن لطائف الاستعاذة أنها طهارة للفم مما كان يتعاطاه من اللغو والرفث وتطيب له، وهو لتلاوة كلام وهي استعانة بالله واعتراف له بالقدرة وللعبد بالضعف والعجز عن مقاومة هذا العدو المبين الباطني والذي لا يقدر على منه ودفعه إلا الله الذي خلقه ولا يقبل مصانعة ولا يداري بالإحسان ، بخلاف العدو من نوع الإنسان) .
6-طلب الهداية من الله، فجميع الخلق مفتقرون إلى الله تعالى في أمور دينهم ودنياهم، والله سبحانه وتعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فمن هداه الله تعالى للإيمان فبفضله وله الحمد، كما قال تعالى: (( وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ) ) (الأعراف: 43) .
وقوله تعالى: (( وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِين ) ) (الصافات: 57) .
ومن أضله فبعدله، قال سبحانه: (( وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) ) (فصلت: 46) .
وقال عز وجل: (( فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ) ) (الصف: 5) .
وقوله: (( إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) ) (الأحقاف: 10) .
وقد جعل الله سبحانه وتعالى للهداية سبلاً وطرقاً فمن أخذ بأسبابها هداه الله، ومن أخذ بأسباب الضلال أضله الله، قال تعالى: (( إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ) ) (الإنسان: 3) .
وقال: (( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) ) (البلد: 10) .
قال ابن رجب: (الإنسان يولد مفطوراً على قبول الحق، فإن هداه الله سبب له من يعلمه الهدى، فصار مهتدياً بالفعل بعد أن كان مهتدياً بالقوة، وإن خذله الله قيض له من يعلمه ما يغير فطرته... والهداية نوعان هداية مجملة وهي الهداية للإسلام والإيمان وهي حاصلة للمؤمن وهداية مفصلة وهي هداية إلى معرفة تفاصيل أجزاء الإيمان والإسلام وإعانته على فعل ذلك وهذا يحتاج إليه كل مؤمن ليلا ونهارا ولهذا أمر الله عباده أن يقرأوا في كل ركعة من صلاتهم قوله:(( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ) (الفاتحة:6) .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه بالليل: ( اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ) [14] .
والهداية نوعان: هداية إرشاد وبيان وهي التي يملكها الرسل وأتباعهم والتي ذكرها الله تعالى بقوله: (( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ) ) (فصلت: 17) .
وهداية توفيق وهي التي بيد الله تعالى ، ومن أسمائه تبارك وتعالى الهادي فهو الذي هدى الخلق إلى معرفته وربوبيته، وهدى عباده إلى الصراط المستقيم، وقد ورد هذا الاسم في آيتين من الكتاب العزيز وهما قوله تعالى: (( وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) ) (الحج: 54) .
وقوله تعالى: (( وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً ) ) (الفرقان: 31) .
ولا يمكن أن يكون المسلم مهتدياً إلا بإتباع الرسول الكريم كما قال تعالى: (( وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) ) (العنكبوت: 18) .
واتباع هديه أحد شرطي قبول العمل الصالح، وهما: المتابعة والإخلاص، وجعل الله سبحانه وتعالى الكتب المنزلة هداية للناس ونوراً وفرقاناً بين الحق والباطل قال تعالى: (( إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ ) ) (المائدة: 44) .
وقال عن عيسى: (( وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ ) ) (المائدة: 46) .
وغير ذلك من الآيات الكثيرة، فالهداية أكبر نعمة ينعم بها الله سبحانه وتعالى على العبد، وبقدر هدايته تكون سعادته في الدنيا والآخرة، والأنبياء عليهم السلام هم أكمل البشر هداية، وكانوا يسألون الله سبحانه وتعالى الهداية ومن ذلك قوله موسى عليه السلام: (( عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ) ) (القصص: 22) .
والنبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر في دعائه من طلب الهداية من الله ومن ذلك ما أخرجه مسلم [15] من حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت: (( كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) ).
وما أخرجه أيضاً [16] من حديث عبد الله بن مسعود عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى ) ).
وأمرنا الله سبحانه وتعالى بطلب الهداية منه في كل ركعة من صلاتنا فقال تعالى: (( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ) (الفاتحة:6) . .