فهرس الكتاب

الصفحة 7915 من 9994

وقال ابن القيم: (( والفرق بين الحمد والشكر: أن الشكر أعم من جهة أنواعه وأسبابه، وأخص من جهة متعلقاته، والحمد أعم من جهة المتعلقات وأخص من جهة الأسباب، ومعنى هذا أن الشكر يكون بالقلب خضوعاً واستكانة وباللسان ثناءً واعترافاً ، وبالجوارح طاعة وانقياداً، ومتعلقاته: النعم دون الأوصاف الذاتية، فلا يقال: شكرنا الله على حياته وسمعه وبصره وعلمه وهو المحمود على إحسانه وعدله والحمد يكون على الإحسان والنعم، فكل ما يتعلق به الشكر يتعلق به الحمد من غير عكس، وكل ما يقع به الحمد يقع به الشكر من غير عكس، فإن الشكر يقع بالجوارح والحمد يقع بالقلب واللسان ) ).

3-طلب الاستعانة من الله ، والاستعانة: الثقة بالله والاعتماد عليه، والعبد محتاج للاستعانة بالله على مصالح دينه ودنياه، فهو محتاجٌ إليها في فعل المأمورات وترك المحظورات، وفي الصبر على المقدورات، كما قال يعقوب عليه السلام:

(( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ) ) (يوسف: 18)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (( تأملت أنفع الدعاء فإذا هو: سؤال العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في: (( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ) (الفاتحة: 5) .

ومن أسماء الله الحسنى المستعان، وقد ورد في القرآن الكريم مرتان ، في قوله عز وجل: (( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ) ) (يوسف: 18) .

وفي قوله تعالى: (( قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ) ) (الأنبياء:112)

والمستعان معناه: الذي يُطْلَبُ منه العون، والعون الظهير على الأمر، وهو سبحانه غني عن الظهير والمعين والشريك، فهو سبحانه يُعين عباده ولا يستعين بأحد منهم لا في الأرض ولا في السماوات قال تعالى: (( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ) ) (سبأ: 22) .

قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله - عند شرح قوله صلى الله عليه وسلم: (( وإذا استعنت فاستعن بالله ) )قال: الاستعانة بالله وحده منتزع من قوله تعالى: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ، وهي كلمة عظيمة جامعة يقال: إن سر الكتب الإلهية كلها ترجع إليها وتدور عليها، وفي استعانة الله وحده فائدتان: إحداهما: أن العبد عاجز عن الاستقلال بنفسه في عمل الطاعات، والثانية: أنه لا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله عز وجل ، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله الله فهو المخذول، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز ) ) [3] .

وأمر معاذ بن جبل أن لا يدع في دبر كل صلاة أن يقول: (( اللهم أعني على ذكر وشكرك وحسن عبادتك، وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: (( يا رب أعني ولا تعن علي ) ) [4] .

4-طلب الاستغفار من الله، والاستغفار والمغفرة أصلها الغفر: أي التغطية والستر، وغفر الله له ذنوبه أي سترها، فالاستغفار من الذنوب هو طلب المغفرة، والعبد أحوج ما يكون إليه لأنه يخطئ بالليل والنهار، وقد تكرر في القرآن ذكر التوبة والاستغفار، والأمر بهما، والحث عليهما، وحث النبي صلى الله عليه وسلم على طلب المغفرة واستغفار الله سبحانه وتعالى، أخرج أحمد [5] عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَأَسْتَغْفِرُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ .... ) ، وأخرج البخاري [6] من حديث أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً ) )وأخرج مسلم [7] من حديث الْأَغَرَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ ) )وأخرج الإمام أحمد [8] من حديث ابن عمر قال: ( إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَجْلِسِ يَقُولُ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ مِائَةَ مَرَّةٍ ) ) والله سبحانه وتعالى سمى نفسه بالغفور في إحدى وتسعين آية، وسمى نفسه بالغفار في خمس آيات، فورود الغفور في القرآن أكثر من الغفار، وكلاهما من أبنية المبالغة، قال تعالى: (( أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) ) ( الشورى: 5) .

وقال تعالى: (( نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) ) ( الحجر: 49) .

وقال تعالى: (( وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ) ) ( البروج: 14) .

وقوله تعالى: (( أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ) ) ( الزمر: 5) . .

وقوله تعالى: (( رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ) ) ( ص: 66) .

وقوله تعالى: (( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً ) ) ( نوح: 10) . .

وأما الغافر فقد ورد مرة واحدة في القرآن، وذلك في قوله تعالى: (( غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ) ) ( غافر: 3) .

فالله - سبحانه وتعالى - هو الغفور والغفار والغافر الذي يغفر الذنوب جميعاً ويسترها، وفي هذا حث لعباده أن يطلبوا منه المغفرة وستر الذنوب والتجاوز عن السيئات .

5-الاستعاذة بالله . والاستعاذة معناها الالتجاء والاستجارة بالله في دفع كل مكروه، وقد جاء في هذه الخطبة الاستعاذة من شرور الأنفس وسيئات الأعمال، فالنفس أمارة بالسوء، وفيها أخلاق رديئة وطباع غير لائقة تحتاج إلى تزكية وتهذيب، والذنوب والسيئات لها آثار وخيمة على القلب والبدن، ولا يعيذ من شرور الأنفس وسيئات الأعمال وينجي من عواقبها إلا الله عز وجل، فهو الذي يؤتي النفوس تقواها ويزكيها وهو خير من زكاها، وقد ذكرت مادة"التعوذ"أو الاستعاذة في القرآن الكريم نحو خمس عشرة مرة، ودلنا التنزيل الحميد على أن التعوذ أمر مطلوب في كثير من المواقف والأحوال ، وهو أيضاً من صفات الأنبياء والرسل فجاء في سورة هود عن نوح عليه السلام: (( قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) ) (هود: 47) .

وقال موسى عليه السلام: (( أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) ).

ويوسف عليه السلام يذكر القرآن الكريم أنه تحلى بفضيلة التعوذ فقال: (( مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) ) (يوسف: 23) .

وقال: (( مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظَالِمُونَ ) ) (يوسف: 79) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت