فهرس الكتاب

الصفحة 8941 من 9994

والأصل في الغبن أن يكون في البيع والشراء والتجارة . وفي هذا الحديث - كما يقول العلامة المناوي - شَبَّهَ المكلف بالتاجر، والصحة والفراغ برأس المال ؛ لكونهما من أسباب الأرباح ؛ ومقدمات النجاح . فمن عامل الله بامتثال أوامره ربح ؛ ومن عامل الشيطان باتباعه ضيع رأس ماله [4]

وقال ابن بطال: ( معنى الحديث أن المرء لا يكون فارغاً حتى يكون مكفياً صحيح البدن، فمن حصل له ذلك فليحرص على أن لا يغبن بأن يترك شكر الله على ما أنعم به عليه ، ومن شكره امتثال أوامره واجتناب نواهيه ، فمن فرط في ذلك فهو المغبون ) [5] .

إن شكر نعمة الزمن أن يستفيد الإنسان من عمره ، ويحذر من إضاعته في المجالس الخاوية ، مجالس القيل والقال ومجالس اللهو والطرب ، ويحذر أن يكون أمره فرطاً لا في أمر دينه ، ولا في أمر دنياه ، فتنقضي أيامه ولياليه في سهو وغفلة ، وتنقلب نعمة الفراغ نقمة يشقى بها صاحبها رجلاً كان أو امرأة .

فعلى كل مسلم أن يكسب الوقت ، ويستفيد من العمل الصالح، والعمل القاصر والمتعدي ، ويحرص على طلب العلم الذي توفرت سبله، وتهيأت وسائله بفضل الله تعالى وعليه أن يحذر مما وقع فيه كثير من الشباب من إضاعة أوقاتهم في مجالس الأرصفة الليلية ، أو ميادين الكرة أو المستراحات، فالوقت هو الحياة فمن عرف حق الوقت فقد أدرك قيمة الحياة.

الوقفة الثانية: الإحساس بقيمة الوقت:

لا يمكن للإنسان أن يعرف قيمة الوقت وأن يستفيد منه إلا إذا أحس بقيمته وعرف قدر أنفاسه في هذه الحياة، وأدرك أهمية الاستفادة منه . وحافظ عليه كما يحافظ على ماله أو أشد ، واستشعار قيمة الوقت يجعل الإنسان يبتكر أشياء للاستفادة من الوقت قد لا يهتدي إليها غيره ، ولن يستفيد من هذه الإجازة من لم يعرف قيمة الوقت وأهمية الزمن أولاً ، ولن يستفيد من الإجازة من لم ينظم وقته ثانياً .

وقد كان السلف الصالح من هذه الأمة أحرص ما يكونون على أوقاتهم ، لأنهم أعرف الناس بقيمتها. ولذا كانوا يحرصون على ألا يمر يوم أو بعض يوم أو برهة من الزمن وإن قصرت دون أن يتزودوا منها بعلم نافع أو عمل صالح.

يقول ابن مسعود رضي الله عنه: (ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه ، نقص فيه أجلي ، ولم يزد فيه عملي) .

وعن حماد بن سلمة قال: ما أتينا سليمان التيمي في ساعة يطاع الله فيها إلا وجدناه مطيعاً ؛ إن كان في ساعة صلاة ، وجدناه مصلياً ؛ وإن لم تكن ساعة صلاة ، وجدناه إما متوضئاً أو عائداً مريضاً ، أو مشيعاً لجنازة ، أو قاعداً في المسجد ؛ قال: فكنا نرى أنه لا يحسن يعصي الله عز وجل [6] .

وعن سعيد الحريري قال: كانوا يجعلون أول نهارهم لقضاء حوائجهم ، وإصلاح معايشهم ، وآخر النهار: لعبادة ربهم ، وصلاتهم [7] .

وعن الأوزاعي قال: ليس ساعة من ساعات الدنيا ، إلا وهي معروضة على العبد يوم القيامة، يوماً فيوماً ، وساعة فساعة ؛ ولا تمر به ساعة لم يذكر الله فيها إلا تقطعت نفسه عليها حسرات، فكيف إذا مرت به ساعة مع ساعة، ويوم مع يوم،وليلة مع ليلة [8] .

الوقفة الثالثة: مع سفر رَبِّ الأسرة:

يكثر السفر في الإجازة ، منه ما هو داخل المملكة ومنه ما هو خارجها ، وقد يكون سفر الأسرة مع وليها، وقد يسافر هو بدونها. فهذه أنماط أربعة أتحدث عن كل واحد منها بما يناسبه من التفصيل.

أما سفر رب الأسرة وحده فهذا لا أراه في غالب الأحوال ، ولا سيما إذا طالت المدة ؛ لما يترتب على ترك الأسرة - ولاسيما في مثل أيام الإجازة - من المفاسد والمساوئ الكثيرة، لأن الغالب على كثير من الأسر أنه إذا غاب راعيها تعودت على الانفلات والتسيب والضياع، ولاسيما إذا تهيأت الأسباب وغاب الرقيب ، فتراهم يمارسون من التصرفات السيئة ، مالا يفعلونه لو كان والدهم - مثلاً - حاضراً، والنفس إذا اعتادت الانفلات صعب فطامها.ومن الملاحظ أن الأب إذا غاب عن أسرته يوماً أو يومين رأى اختلافاً ، فكيف بمن يغيب أشهراً، وفي مثل هذه الأيام التي يرغب الناس فيها بمفارقة ما اعتادوه وألفوه ؟

الوقفة الرابعة: مع سفر الأسرة:

وتكثر الرحلات وسفر الأسر في الإجازة داخل المملكة إما للعبادة، وذلك بزيارة المسجدين - الحرام والنبوي - وأداء مناسك العمرة ، أو للنزهة والاستطلاع والتفكر في مخلوقات الله تعالى ، أو لكليهما معاً، وهذا شيء مباح ، وقد يكون مستحباً إذا كان لأحد المسجدين ، فإن حصل في سفره هذا زيارة أقاربه وصلة أرحامه فهذا نور على نور ، وعمل مشكور، وسعي مبرور ، ومثل هذا قد استفاد من وقته، وأدى ما عليه، ( ومثل هذه الرحلات ، حق مشروع للأسرة المعاصرة ، يزيل عنها وعثاء الحياة ومشكلات المدنية ، ويسمح لها بقدر مناسب من الانطلاق بعيداً عن أعين الآخرين [9] .

لكن ينبغي ملاحظة الأمور التالية:

أولاً: أن السفر ولو كان لأداء واجب أو ركن من أركان الإسلام فهو على حسب القدرة ، فكيف بالسفر للنزهة وما في بابها ؟ وأقصد بذلك أنه لا ينبغي للإنسان أن يستقرض لأجل أن يشتري سيارة ليسافر عليها، أو يستقرض لأجل أن يمتع نفسه ومن معه ويبدد المال هنا وهناك.

إن العاقل لا يقترض إلا عند الحاجة، ومتى أمكنه أن يصبر فلا يقترض ، لأن الإنسان إذا عَوَّد نفسه الاقتراض سهل عليه ، وصار يقترض لأمور لا داعي لها، كما عليه بعض الناس، وقد جاء في نصوص الشريعة تعظيم أمر الدَّيْن وعِظَمُ حقوق العباد، وهذا إذا كان يرجو وفاءً من مُرتَّبٍ أو أجرة عقار ونحوهما، أما إذا كان لا يرجو وفاءً فإن اقل أحوال الاقتراض الكراهة، إن لم يصل إلى درجة التحريم، ويجب عليه في هذه الحال أن يبين للمقترض حاله، ليكون على بصيرة.

ثانياً: اعلم أن للنية أثراً في ثواب السفر أو عقابه، شأنه في ذلك شأن غيره من الأعمال ، فعليك أخي الكريم إحسان القصد، واحذر أن تقارف محرماً ، أو تشاهد منكراً ، أو تضيع واجباً ، ولا تنس أنك مستجاب الدعوة ، كما صح بذلك الخبر عن نبيك صلى الله عليه وسلم [10]

وما تدري فلعل أيام حياتك تنتهي قبل عودتك من السفر ، فتحصل على إحدى الحسنيين إن مُت مت سعيداً ، وإن بقيت عشت حميداً.

ثالثاً: أن يتأدب بآداب السفر ، فيحرص على دعاء السفر ، وما يقوله إذا نزل منزلاً ، وإذا علا وإذا هبط ، ويجنب النزول على الطريق ، وإذا كانوا جماعة أمَّرُوا عليهم واحداً منهم، إلى غير ذلك من السنن التي أخل بها كثير من الناس اليوم ، إما جهلاً بها ، أو زهداً فيها.

رابعاً: إذا ذهب الإنسان بأسرته إلى المنتزهات في الأماكن الباردة أو غيرها فعليه أن يحوط أسرته بسياج من الرعاية والصيانة ، وأن يحذر الجلوس في طرق الناس أو أماكن تجمعهم ، ويختار المواقع البعيدة ، عنهم فيرتاح هو وأسرته ، ويسلمون من أذى الناس ، ويسلم الناس منهم.

خامساً: أن يحافظ هو وأسرته على الصلاة في أوقاتها ، ولاسيما صلاة الفجر ، ويصليها هو وأولاده مع الجماعة في المسجد إذا نزلوا في مسكن يسمعون فيه النداء.

سادساً: تذكر رعاك الله أن السفر فرصة ثمينة للاستفادة ، من خلال البرامج العلمية والعملية ، التي يمكن أن يرتبها ربُّ الأسرة ، مثل: تلاوة القرآن ، والتأمل في الأحاديث النبوية ، وقراءة الكتب النافعة ، أو المسابقات الهادفة ، ويحدد لذلك جزءًا من الوقت يكون معلوماً ، وبهذا يكون المسافر جمع في سفره بين المتعة والترويح عن النفس بما يشاهد ، وبين الأنشطة العلمية والتربوية بمثل ما ذكر أو غيره.

الوقفة الخامسة: مع السفر خارج البلاد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت