أيُّها المسلمُون: إنَّ أمَّتَيْ الغضبِ والضلالِ من اليهود والنصارى، لَيعلمون تمامَ العلمِ بأنَّهم لن يحصلوا على تحقيقِ مطامعهم الخبيثةِ، في الاستيلاءِ والسيطرةِ على بلادِ العالمِ الإسلامي، إلاَّ بالقضاءِ على أخلاقِ المسلمينَ ودينهم، ومن أجلِ هذا نزلُوا بكلِّ ثِقَلهم على العالمِ الإسلامي عامَّةً، والعالم العربي خاصة، فنشروا فيهِ الإلحادِ والفساد، وأحدثُوا فيهِ خَوَاءً روحيَّاً، وأشغلوا الناسَ عن مصدرِ عزتهم وقوَتِهم بشتَّى أصنافِ اللهو والمُغرياتِ الخسيسةِ الدنيئة، ولعبَ الإعلامُ الفاسدَ المفسدَ دوره.
تمكن هؤلاءِ اليهودُ وعمومَ الأعداءِ من إلقاءِ الشُبهات، وتشكيكَ المسلمينَ بدينهم، فصرفُوهم عن وحيِ اللهِ المنزلُ إلى غيرهِ من وحيِ الشياطينِ وقوانينِ الإلحاد، ومع شديدِ الأسفِ، نجحَ شُذَّاذ الآفاقِ وأفراخِهم وتلامذتهم من رموزِ العَلْمَنَة والأحزابِ الضالة، فنوَّعوا عَرْض الباطلِ وزخرفتهِ، حتى استطاعوا بمكرِهمُ الخبيثِ من تقسيمِ المسلمينَ إلى شِيَعٍ متحاربة، وأحزابٍ مُتناحرة، ممَّا سهَّلَ احتلالَ مُقدساتِهم وبلادهم بلا قاهرٍ ولا رادعٍ، وضاعت (فلسطين) البلدُ المبارك، الذي أصبحَ ذليلاً مهاناً، ضاعت لأنَّ المسلمين تأخروا في الدفاعِ عنها حتى تمكنَ الأعداءُ منها ، ضاعت بل وضاعَ غيرُها من بلادِ الإسلامِ كالأندلس، لأنَّ المسلمينَ نبذوا كتابَ اللهِ وراءَ ظُهورِهم، وتفلتُوا من أحكامِ دينهم، وتركوا الجهادَ في سبيلِ الله، الجهادَ الذي هُو طريقُ العزَّةِ والكرامة .
فشتَّانَ ما بينَ حالتنا اليومَ من الذلَّةِ والهوان، وبين حالةِ أسلافِنا المجاهدينَ يومَ كانَ هارونَ الرشيد- رحمه الله- يكتبُ رسالةً إلى حاكمِ الروم، حينما نقضَ العهدَ، وطالبَ بإرجاعِ ما أخذهُ المسلمون من الرومِ من جزية ، كتبَ إليهِ هارون الرشيد: ( بسم الله الرحمن الرحيم - من هارون أميرَ المؤمنينَ إلى نَقْفُور كلبَ الروم ، قد قرأتُ كتابكَ ياابن الكافرة، والجوابُ ما تراهُ دُون ما تسمعهُ) ، ثم غَزَا الكفَّارَ بجيشٍ يقودُهُ هو بنفسهِ، وأدَّبهم وألزمهم الذل والصغار.
معشرَ المسلمِين: لقد شهدت قضيةُ فلسطينَ وتشهدُ اليومَ مآسٍ موجعة، ومفاوضاتٍ مُخيفة، وتآمرٍ دُوليٍّ، حتى سعى الأعداءُ إلى تحجيمِ قضيةِ فلسطين، من قضيةٍ إسلاميةٍ إلى سراديبَ مُظلمةٍ من وطنيةٍ وحزبيةٍ وقومية.
إنَّ التاريخَ لن ينسى ما فعلهُ يهودَ الغدرِ والخيانةِ بالمسلمين في فلسطين، مذابحَ مُتكررةً في صبرا وشاتيلا، وتل الزعتر وغيرها، وفي رمضانَ وقبلَ خمسِ سنواتٍ يقفُ يهوديٌّ في مسجدِ الخليلِ إبراهيم، فيطلقُ النارَ على المسلمينَ وهم يُؤدُون صلاةَ الفجرِ حتى غَدَوْ بين قتيلٍ وجريح، وينتهي التحقيقُ بأنَّهُ معتوهٌ ضعيفُ العقل، واللهُ أعلمُ بالحال .
أما هذهِ الأيامُ فالقتلى من المسلمينَ على أيدي جنودَ الاحتلالِ اليهوديِ زادوا على السبعين، أمَّا الجرحى فعددٌ كبير، ولم يسلم مِن أذاهم وقتلهم حتى الأطفالِ الأبرياء، ولقد شهدَ العالمُ أجمع، على تعمُّدِ اليهودِ قتلَ الضعفاءِ والأبرياءِ من الشيوخِ والأطفال ، فلئن كانوا قبلَ خمسينَ سنةً هجمواعلى قريةِ (دير ياسين) ، وجمعُوا سُكَّانها صفَّاً واحداً، رجالاً ونساءً وأطفالاً، ثُمَّ رمَوهُم بالرشاشاتِ، وبالغُوا في تعذيبهم قبلَ قتلهم، فبقرُوا بُطونَ الحواملِ وأخرجوا الأطفال، وذبحُوهم، وشوَّهُوا الجثث، فإنَّ العالم يشهدُ عليهم هذهِ الأيام بقتلِ الأبرياء ، ولا تزالُ صورةُ ذلك الطفلِ التي شاهدها العالمُ أجمع، تشهدُ على يهودِ الغدرِ والقسوةِ ، طفلٌ صغيرٌ يحتمي بأبيهِ الذي لا سلاحَ معهُ، فلا يُتركُ بل يُقتلُ في أحضانِ والدهِ برصاصِ إخوانِ القردةِ والخنازير .
إنَّها مآسي يا عبادَ اللهِ تتكررُ في فلسطينَ وغيرها من بقاعِ العالم، إنَّها القسوةُ والغِلْظةُ من قلوبٍ لا تعرفُ العدلَ والرحمة، وصدقَ اللهُ العظيمُ حيثُ قال عنهم: (( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ) ) (البقرة:74) .
وبما كسبت أيدي اليهودِ حكمَ اللهُ عليهم باللعنةِ والحرمانِ من الرحمة، فقال جلَّ وعلا: (( فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ) ) (المائدة:13) ، وقال سبحانهُ عن خُبثهم وإفسادهم: (( وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) ) (المائدة:64) .
اللهمَّ طهِّر المسجدِ الأقصى من اليهودِ المُعتدين ، اللهمَّ أَنزل بِهم وبالنصارى رِجْزَكَ ، اللهمَّ لا تجعل لكافرٍ ولا منافقٍ على مؤمنٍ سبيلاً ، اللهمَّ فرِّج همَّ المهمومين من المسلمينَ في أقطارِ الأرض، اللهمَّ اجعل لهم مخرجاً وفرجاً ممَّا هُم فيه يا رحيمُ يا رؤوف.
أقولُ هذا القولُ وأستغفرُ اللهَ لي ولكم من كلِّ ذنبٍ فاستغفروهُ إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم .
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ وحده، وأشهدُ ألاَّ إله إلاَّ الله وحدهُ لا شريك له، وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبده ورسولهُ- صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين- والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أمَّا بعدُ: فإنَّ أعداءَ الإسلامِ من أهلِّ الكتابِ وغيرهم من الكفَّار، يحملون حقداً على الإسلامِ وأهلهِ، كما أخبرَ اللهُ عنهم: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) ) (آل عمران 118-120) .
وقال سبحانه: (( مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ ) ) (البقرة:105) .
ولهذا حذَّرنا اللهُ من موالاةِ هؤلاءِ الكفرةِ ومحبتهم، في آياتٍ متعددة، فلا يجتمعُ في قلبِ المؤمنِ محبةُ اللهِ ورسولهِ ومحبةُ أعدائهِ من الكفارِ والمشركين، (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ ) ) (الممتحنة:1) ، وقال عز وجل: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا ) ) (النساء:144) .