فهرس الكتاب

الصفحة 8552 من 9994

(( وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) ) (سورة الأنعام:59) .

وأشهد أن الله سبحانه أرسل رسوله محمداً r بالهدى ودين الحق فنصح للخلق وَبيّن الحق ودَلَّ الأمةَ على ما يعلمه لهم وبَلّغ البلاغ المبين، فصلوات الله وملائكته عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين .

أما بعد: فـ (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) ) (سورة النساء:1) .

أيها الإخوة: خرج عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- حاجاً فبينما هو نازلٌ في بعض الطريق إذ انحدر عليه راعٍ من الجبل ومعه غنم فقال له: عمرـ مختبراً له ـ يا راعي بع عليَّ شاة من هذه الغنم ؟

فقال الراعي: إني مملوكٌ ولا يحل لي أن أبيعَ ما لا أملك فقال عمر: قل لسيدك إذا سألك: أكلها الذئب ؟

فقال الراعي: يا رجل أين الله ؟ فبكى عمر- رضي الله عنه- ثم اشترى هذا المملوك من سيده وأعتقه وقال: أعتقتك هذه الكلمة في الدنيا، وأرجو أن تعتقك في الآخرة )) .

نعم ـ أيها المسلمون ـ أينَ الله ؟ إنها كلمةٌ عظيمة، خرجت من قلبٍ يؤمنُ باطلاع الله عليه، وعلمه بأحواله، (( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ* إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) ) (سورة الشعراء: 220:217)

إنما يهش الراعي غنمه بعصاه عن مراتع الهلكة إذا علم أن عليه رقيباً

إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوتُ ولكن عليَّ رقيبُ

ولا تحسبنَّ الله يغفُلُ ساعةً ولا أن ما تخفيه عنه يغيبُ

إن إصلاحَ الباطن، ومراقبة العليم الخبير في جميع الأحوال، علامةُ كمالِ الإيمان، وسعادةَ الإنسان، ونيل مرتبة الإحسان، وفي الصحيحين: (( ما الإحسان ؟ فقال النبي r (( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) ).

ألا فطوبى لعبدٍ يوقن بنظر الله إليه، واطلاعه عليه، فهو سبحانه الذي يعلم ما في نفسه وما يوسوس به صدره، قال عز وجل (( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) ) (سورة ق:16) .

فيقوده هذا اليقينُ إلى مراقبة حركاته وسكناته، والحذر من معصية الله ومبارزته بالذنوب والمخالفات، يقول سبحانه (( أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ) ) (سورة البقرة:77) .

ويقول جل وعلا (( إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ ) ) (سورة الأنبياء:110) .

ويقول عز وجل: (( وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ* أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) ) (سورة الملك: 14 - 15) .

من حفظ حدود الله في الخلوات، وترك المعصية حياءً وخشيةً من عالم الخفيات، نجاه الله في الدنيا من الشدائد وخلّصه في الآخرة من الكرب، وأظله في ظله يوم لا ظلَّ إلا ظله .

فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي r أنه قال: (( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل ، وشاب نشأ بعبادة الله ، ورجل قلبه معلق في المساجد ، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ،ورجل دعته امرأة ذات منصبٍ وجمال فقال: إني أخاف الله ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ) )أخرجه البخاري ومسلم .

أيها المسلمون:

إنَّ الإنسان إذا تذكر أنَّ الله عليم بما في نفسه ومراقب لجميع أحواله كفَّ عن الفواحش والآثام خوفاً من ربه وحياءً منه .

وإذا خلوت بريبةٍ في ظ،لمةٍ والنفس داعيةٌ إلى الطغيانِ

فاستحيي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني

قال بعض السلف: (تعاهد نفسك في ثلاث: إذا عملتَ فاذكر نظرَ الله إليك، وإذا تكلمت فاذكر سمع الله منك، وإذا سكتَّ فاذكر علمَ الله فيك )

يقول الله عز وجل: (( وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) ) (سورة يونس: 61) .

وفي سورة سبأ يقول سبحانه: (( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) ) (سورة سبأ: 3) .

وإن مما يقوي مراقبة الله في القلب أن يتعلق بالله خوفاً وطمعاً، ورغبةً ورهبةً، فمنه الخير وبيده الخير، وهو على كل شيءٍ قدير، فمن أرضاه سعد ونجا ولو أسخط في هذا جميع الناس .

ولقد كان الصالحون يتواصون بمراقبة الله في حال الخلوة من الناس، قال بعضهم: ( زهدنا الله وإياكم في الحرام ، زُهد من قَدِرَ عليه في الخلوة فعلم أن الله يراه فتركه من خشيته ) .

وقال الشافعي رحمه الله: أعزَّ الأشياء ثلاثة: الجود من قِلّة، والورع في الخلوة وكلمة الحق عند من يُرجى ويُخاف .

فالتقوى ومراقبة الله ـ أيها المسلمون ـ من أسباب محبة الله لعبده وإلقاء حبه في قلوب المؤمنين، فما أسر أحدٌ سريرة إلا ألبسه الله رداءها علانية إن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً .

من راقب الله في أعماله، واتقاه في جميع أحواله، ختمت حياته بخير وَأَمِنَ يومَ الفزع الأكبر، وفاز بالجنة ونجى من النار .

قال الحسن: رحم الله عبداً وقف عند همِّه، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخّر .

الإنسان الذي وفَقّه الله إلى الخير يراقب نفسه قبل العمل، وفي العمل، هل يحركه عليه هوى النفس، أم المحركُ لهُ هو الله تعالى خاصّة ؟ فإن كان لله تعالى أمضاه وإلا تركه وهذا هو الإخلاص وهذه مراقبة الطاعة بأن يكون مخلصاً فيها ، وأمَّا مراقبتُهُ في المعصية فتكون بالتوبة والندم والإقلاع ) .

(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ) (سورة التحريم:8) .

اللهم بارك لنا في القرآن والسنة وانفعنا بما فيهما من الهدى والحكمة يا رب العالمين .

أقول هذا القول واستغفر الله لي ولكم ولجميع المؤمنين والمؤمنات من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم . أهـ

الخطبة الثانية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت