وعن ابن عمر - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"جعل الله الأهلة مواقيت للناس فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوماً"9.
قوله تعالى: وَالْحَجِّ: يعني: وللحجِّ، يقول: وجعلها - أيضًا - ميقاتًا لحجكم، تعرفون بها وقت مناسككم وحَجكم.
"والحج"بفتح الحاء قراءة الجمهور. وقرأ ابن أبي إسحاق بالكسر في جميع القرآن، وعن سيبويه: الحج كالرد والشد، والحج كالذكر، فهما مصدران بمعنى، وقيل: الفتح مصدر، والكسر الاسم.
وقد أفرد سبحانه الحج بالذكر؛ لأنه مما يحتاج فيه إلى معرفة الوقت، وأنه لا يجوز النسيء فيه عن وقته، بخلاف ما رأته العرب، فإنها كانت تحج بالعدد وتبدل الشهور، فأبطل الله قولهم وفعلهم.
ولقد استدل الإمام مالك وأبو حنيفة وأصحابهما في أن الإحرام بالحج يصح في غير أشهر الحج بهذه الآية؛ لأن الله تعالى جعل الأهلة كلها ظرفا لذلك، فصح أن يحرم في جميعها بالحج، وخالف في ذلك الشافعي؛ لقوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} (197) سورة البقرة، وأن معنى هذه الآية أن بعضها مواقيت للناس، وبعضها مواقيت للحج، وهذا كما تقول: الجارية لزيد وعمرو، وذلك يقضي أن يكون بعضها لزيد وبعضها لعمرو، ولا يجوز أن يقال: جميعها لزيد وجميعها لعمرو10.
وذُكر عن القفال - رحمه الله - أنه قال: إن إفراد الحج بالذكر إنما كان لبيان أن الحج مقصور على الأشهر التي عينها الله تعالى لفرضه وأنه لا يجوز نقل الحج من تلك الأشهر إلى أشهر كما كانت العرب تفعل ذلك في النسيء، والله أعلم11.
وقوله تعالى: {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها}
وجه اتصال هذا بالسؤال عن الأهلة: أن الأنصار كانوا إذا حجوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم إذا رجع أحدهم إلى بيته بعد إحرامه قبل تمام حجه؛ لأنهم يعتقدون أن المحرم لا يجوز أن يحول بينه وبين السماء حائل، وكانوا يتسنمون ظهور بيوتهم.
قال أبو عبيدة: إن هذا من ضرب المثل، والمعنى: ليس البرّ أن تسألوا الجهال، ولكن البرّ التقوى واسألوا العلماء، كما تقول: أتيت هذا الأمر من بابه. وقيل: هو مَثَل في جماع النساء، وأنهم أمروا بإتيانهنّ في القبل لا في الدبر. وقيل غير ذلك.
والبيوت جمع بيت، وقُرئ بضم الباء وكسرها.12
وسواء كانت هذه عادتهم في السفر بصفة عامة، أو في الحج بصفة خاصة وهو الأظهر في السياق، فقد كانوا يعتقدون أن هذا هو البر - أي الخير أو الإيمان - فجاء القرآن ليبطل هذا التصور الباطل، وهذا العمل المتكلف الذي لا يستند إلى أصل، ولا يؤدي إلى شيء، وجاء يصحح التصور الإيماني للبر، فالبر هو التقوى، هو الشعور بالله ورقابته في السر والعلن، وليس شكلية من الشكليات التي لا ترمز إلى شيء من حقيقة الإيمان، ولا تعني أكثر من عادة جاهلية.
كذلك أمرهم بأن يأتوا البيوت من أبوابها، وكرر الإشارة إلى التقوى، بوصفها سبيل الفلاح:
{وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون} .
وبهذا ربط القلوب بحقيقة إيمانية أصيلة هي التقوى، وربط هذه الحقيقة برجاء الفلاح المطلق في الدنيا والآخرة؛ وأبطل العادة الجاهلية الفارغة من الرصيد الإيماني، ووجه المؤمنين إلى إدراك نعمة الله عليهم في الأهلة التي جعلها الله مواقيت للناس والحج، كل ذلك في آية واحدة قصيرة13.
إلى هنا نصل إلى ختام تفسير الآية، والله أعلم.
وصلى الله على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
1 -انظر: الجامع لأحكام القرآن لمحمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح القرطبي أبو عبد الله (2/339) .
2 -زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي (1/195) ط: المكتب الإسلامي- بيروت الطبعة الثالثة ، 1404 هـ.
3 -انظر: فتح القدير للشوكاني (1/291) حيث ذكر أن سبب النزول أخرجه ابن عساكر بسند ضعيف، كما ذكر سبب النزول النسفي في تفسيره (1/93) والسيوطي في الدر المنثور (1/490) ، والبيضاوي في تفسيره (1/474) .وكذا في معالم التنزيل للبغوي (1/211) .
4 -أسرار البلاغة (1/49) .
5 -انظر: كتاب العين (5/199) للخليل بن أحمد الفراهيدي.
6 -تفسير البيضاوي (1/474) بتصرف
7 -جامع البيان في تأويل القرآن (3/555) لمحمد بن جرير الطبري، 224 - 310 هـ ط: مؤسسة الرسالة.
8 -فتح القدير (1/249) .
9 -قال الشيخ الألباني: ( صحيح ) انظر حديث رقم: 3093 في صحيح الجامع.
10 -جامع البيان في تأويل القرآن (2/343)
11 -مفاتيح الغيب (3/139) للرازي.
12 -فتح القدير (1/249) .
13 -في ظلال القرآن لسيد قطب (1/158) .