أمةَ الإسلام: شتانَ بين من يموتُ في ليلةِ الجمعة، وفي الثلثِ الأخيرِ من الليل، وهو قانتٌ آناءَ الليلِ ساجداً وقائماً، يحذرُ الآخرةَ ويرجو رحمةَ ربِه، وبين من يموتُ وهو متحضنٌ عودَهُ ومزمارَه !! شتان بين من يموتُ وقد خلَّف وراءَهُ علماً ينتفعُ به، وبين من يموتُ وقد خلَّفَ أكثرَ من ألفِ أغنيةٍ !! شتَّان بين من يموتُ وهو مقبلٌ في ساحةِ الوغى غيرَ مدبرٍ، يقاتل الكفار، ولا يُولِّيهم الأدبارَ، وبين من يموتُ وهو في أحضانِ زانيةٍ أو فاجرة !! شتَّان بين من يموتُ وهو مرابطٌ في الثغورِ لحمايةِ حمى المسلمين، وبين من يموتُ وهو مرابطٌ على مشاهدةِ القنواتِ الفضائيةِ !! شتَّان بين من يكون آخرُ كلامِه من الدنيا كلمةَ التوحيدِ، وبين من يموتُ وآخرُ كلامِه من الدنيا ألفاظَ الغناءِ وعباراتِ الخنا، إننا لا نشهدُ لأحدٍ لا بجنةٍ ولا بنارٍ إلاَّ من شهدَ لهُ القرآنُ والسنةُ، ولكننا نرجو للمحسنِ ونخافُ على المسيء، هُناك في سكراتِ الموتِ ، وحشرجةِ الصدرِ . (( يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء ) ) (سورة إبراهيم:27) .
وسُبحان الله !! كم شاهدَ الناسُ من هذا عبرا !! والذي يخفي عليهم من أحوالِ المحتضرين أعظمُ وأعظمُ .
أيُّها الناس: كيف يوفقُ لحسنِ الخاتمةِ من أغفلَ اللهُ سُبحانه قلبَهُ عن ذكرِه ، واتبع هواه، وكان أمرُه فرطاً ؟!! فبعيدٌ مَنْ قلبُه بعيدٌ من الله تعالى، غافلٌ عنه، متعبدٌ لهواه، أسيرٌ لشهواتِه، ولسانُه يابسٌ من ذكرِه ، وجوارحُهُ معطلةٌ من طاعتِه، مشتغلةٌ بمعصيتِه ؛ أن يوفقَ لحسنِ الخاتمةِ
لقد قطع خوفُ الخاتمةِ ظهورَ المتقين، بكى سفيانُ الثوريٌ ليلةً إلى الصباح، فلمَّا أصبح ؛ قيلَ لهُ: كلُ هذا خوفاً من الذنوب ؟ فأخذَ تِبْنَةً من الأرضِ، وقال: الذنوبُ أهونُ من هذا، وإنما أبكى خوفاً من سوءِ الخاتمةِ ( [4] ) . وكأنَّ المسيئين الظالمين قد أخذوا توقيعاً بالأمانِ من ربِّ العالمين، (( أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ* سَلْهُم أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ ) ) (سورة القلم: 40,39) .
قال الحافظُ أبو محمدٍ عبدُ الحقِ الإشبيلي- رحمه الله-: واعلم أنَّ لسوءِ الخاتمةِ - أعاذنا الله منها - أسباباً ولها طرقٌ وأبواب: أعظمُها الانكبابُ على الدنيا ، والإعراضُ عن الآخرةِ ،والإقدامُ والجرأةُ على معاصي اللهِ عز وجل، ورُبَّما غلبَ على الإنسانِ ضربٌ من الخطيئةِ ، ونوعٌ من المعصيةِ، وجانبٌ من الإعراضِ، ونصيبٌ من الجرأةِ والإقدام ِ، فملكَ قلبَهُ وسبي عقلَه، وأطفأ نورَهُ ، وأرسلَ عليه حجبَهُ ؛ فلم تنفعْ فيه تذكرةٌ ، ولا نجحت فيه موعظةٌ ، فرُبما جاءهُ الموتُ على ذلك، فسمعَ النداءَ من مكانٍ بعيدٍ، فلم يتبينْ له المرادُ ، ولا علم ما أراد، وإن كررَ عليه الداعي وأعاد، فعياذاً بالله من سوءِ العاقبةِ وشؤمِ الخاتمةِ .
أحبتي الكرام:
لقد وَهِمَ وهماً كبيراً وأخطأ خطأً فادحاً من ظنَ أنَّه لو فعلَ ما فعل ، ثمَُّ قال: أستغفرُ اللهَ ؛ زالَ أثرُ الذنبِ وراحَ هذا بهذا !!
وهذا الصنفُ من الناسِ قد تعلقَ بنصوصٍ من الرجاءِ، واتكل عليها ، وتعلقَ بها بكلتا يديه، وإذا عوتبَ على الخطايا والانهماكِ فيها ؛ سردَ لك ما يحفظهُ من سعةِ رحمةِ الله ومغفرتِه ونصوصِ الرجاءِ، فلا إلهَ إلاَّ الله، كيفَ يجتمعُ في قلبِ العبدِ تيقنُهُ بأنَّهُ مُلاقٍ الله ، وأنَّ اللهَ يسمعُ كلامُه، ويرى مكانَه، ويعلمُ سرَّهُ وعلانيتَه، ولا تخفى عليه خافيةٌ من أمرِه؛ وأنَّهُ موقوفٌ بين يديه، ومسؤولٌ عن كلِ ما عمل؛ وهو مقيمٌ على مسا خطه، مضيعٌ لأوامرِه، معطلٌ لحقوقِه ، وهو مع هذا يحسنُ الظنَ به !!
وهل هذا إلاَّ من خدعِ النفوسِ ، وغرورِ الأماني ؟!! قال أَبِو أُمَامَةَ سَهْلُ بنُ حنيفٍ: دَخَلْتُ أَنَا وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى عَائِشَةَ- رضي الله عنها- فَقَالَتْ: لَوْ رَأَيْتُمَا رسولَ اللَّهِ r ذَاتَ يَوْمٍ فِي مَرَضٍ له ، وَكَانَت عِنْدِه سِتَّةُ دَنَانِيرَ أَوْ سَبْعَةٌ، فَأَمَرَنِي رسول اللَّهِ r أَنْ أُفَرِّقَهَا .قَالَتْ: فَشَغَلَنِي وَجَعُ رسولِ اللَّهِ r حَتَّى عَافَاهُ اللَّهُ، ثُمَّ سَأَلَنِي عَنْهَا ، فَقَالَ: (( مَا فَعَلَتِ ؟ أكنتِ فرقتِ السِّتَّةُ دنانير ؟ ) )فقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ ؛ لَقَدْ شَغَلَنِي وَجَعُكَ، قَالَتْ: فَدَعَا بِهَا ثُمَّ وضَعهَا فِي كَفِّهِ ، فَقَالَ: (( مَا ظَنُّ نَبِيِّ اللَّهِ لَوْ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَهَذِهِ عِنْدَهُ ؟"وفي لفظ:"ما ظنُّ محمدٍ بربِّهِ لو لقي اللهَ وهذه عنده ) ) ( [5] )
فيا لله !!ما ظنُ أصحابِ الكبائرِ إذا لقوا الجبارَ جلَّ جلالهُ بتلك الذنوبِ العظامِ، والخطايا الجسامِ ؟!! ومحمدٌ r يقول: (( ما ظنُّ محمدٍ بربِّهِ لو لقي اللهَ وهذه عنده ) )ما ظنُ أصحابِ الفنِ والغناءِ إذا لقوا القهارَ وهم يحملون أوزارَهم كاملةً يومَ القيامةِ، ومن أوزارِ الذين يضلونهم بغير علمٍ ألا ساءَ ما يزرون !!
إنَّ حسنَ الظنِ يا مسلمون ينفعُ من تابَ، وندمَ ، وأقلعَ ، وبدَّلَ السيئةَ بالحسنةِ ، واستقبلَ بقيةَ عمرِه بالخيرِ والطاعةِ، ثم أحسنَ الظنَ، يقول الله تعالى: (( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ) (سورة البقرة: 218) .
فجعل هؤلاءِ أهلَ الرجاءِ ، لا الظالمين ولا الفاسقين ، ويقول تعالى: (( ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ) (سورة النحل:110) .
فأخبر سُبحانُهُ أنَّه بعد هذه الأشياءِ غفورٌ رحيمٌ لمن فعلها .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم
الخطبة الثانية
أيُّها الأخوةُ في الله: كثيرٌ من الجهَّال اعتمدوا على رحمةِ اللهِ وعفوهِ وكرمهِ، وضيَّعوا أمرَهُ ونهيَه، ونسوا أنَّهُ شديدُ العقابِ ، وأنَّهُ لا يُردُّ بأسُهُ عن القومِ المجرمين .
ومن اعتمدَ على العفو مع الإصرارِ على الذنبِ فهو كالمعاند، وأيُّ إصرارٍ أشدُ من أن يستمرَ العبدُ على فعلِ المعازفِ أكثرَ من أربعينَ عاما .
قال معروف: رجاؤك لرحمةِ من لا تطيعُهُ من الخذلانِ والحمق .
وقال بعضُ العلماءِ: من قطعَ عضواً منكَ في الدنيا بسرقةِ ثلاثةِ دراهمَ؛ لا تأمن أن تكونَ عقوبتَهُ في الآخرةِ على نحوِ هذا .
وسألَ رجلٌ الحسنَ فقال: يا أبا سعيد:كيف نصنعُ بمجالسةِ أقوامٍ يخوفوننَا حتى تكادُ قلوبُنا تنقطع ؟ فقال: واللهِ ؛ لأن تصحبَ أقواماً يخوفونَكَ حتى تدركَ أمناً خيرٌ لك من أن تصحبَ أقواماً يُؤمنُونك حتى تلحقكَ المخاوف .
ومن تأملَ أحوالَ الجيلِ الفريدِ - أصحابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنهم- وجدهم في غايةِ العملِ مع غايةِ الخوفِ، ونحنُ جمعنا بين التقصيرِ - بل التفريطِ - والأمنِ !
فهذا الصديقُ- رضي الله عنه- يقول: وددتُ أنَّي شعرةٌ في جَنْبِ عبدٍ مؤمن.
وهذا عمرُ بنُ الخطاب قرأ سورةَ الطورِ إلى أن بلغ قولَه: (( إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ) ) (سورة الطور: 7) .
فبكى، واشتدَّ بكاؤه ، حتى مرضَ وعادوه .